اللسان ، فألق القشر من الخطاب ، وخذ اللب إن كنت من أولى الألباب ، فإن هذه الورقات جمعت علوما لا يحتاج في معرفة أهل النار إلى غيرها بعد فهمها ، فلا حاجة لنا في ذكر أنواع العذاب وصفة أهوال ملائكتها ، فإن الكتب مشحونة بذلك ، فلنكتف من زيادة البسط » .
ثمّ لهم لذة مختلفة حتى أني اجتمعت بجماعة هم في أشدّ العذاب من النار فرأيتهم في تلك الحالة والجنة تعرض عليهم وهم كارهون لها ، هذا حال طائفة ، ورأيت طائفة بعكس هؤلاء يتمنون نفسا من أنفاس الجنة أو شربة من مائها فلا يوافقهم القدر في ذلك ، وهم الّذين قال اللّه عنهم أنّهم يقولون لأهل الجنة :
أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ
يعني الطعام
قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ
« 1 » .
41 - وفي الباب الثامن والخمسين :
« الطبقة الثالثة : تسمى جنة المواهب ، وهذه الطبقة أعلى من اللتين قبلها ، لأن مواهب الحق تعالى لا تتناهى ، فيهب لمن لا عمل له ولا عقيدة أكثر ممن له أعمال كثيرة وعقائد وغير ذلك ، رأيت في هذه الجنة من كل ملة أقواما وطائفة من كل جنس من أجناس بني آدم ، حتى أن أهل العقائد وأهل الأعمال إذا أعطا هم اللّه من باب الموهبة ودخلوا هذه الجنة تجلى اللّه على أهلها باسمه الوهاب ، فلا يدخلها أحد إلا بموهبة اللّه تعالى ، وهي الجنة التي قال عليه الصلاة والسلام فيها : « أنّها لا يدخلها أحد بعمله ، فقالوا له : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ فقال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني اللّه برحمته » هذه الجنة أكثر الجنان وأوسعها ، وهي سرّ قوله تعالى :
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
« 2 » حتى أنّه لم يبق أحد من النوع الإنساني إلا وجوزت الحقائق من حيث الإمكان العقلي الوهمي له دخولها ، إن كان له نصيب من هذه الجنة في يوم ما من أيام اللّه تعالى ، هذا الّذي جوّزته الحقائق من حيث الإمكان الوهمي . وإمّا ما شاهدناه فإنا وجدنا في هذه الجنة من كل نوع من أنواع أهل الملل والنحل المختلفة طائفة ، لا كلها ولا أكثرها ، بل فرقة من كل ملة ، بخلاف جنة المجازاة فأنّها مخصوصة بالأعمال الصالحة لا يدخلها إلا أهلها . وأوسع منها جنة المكاسب ، لأن الربح قريب من الجزاء ، إذ لا بد من رأس المال حتى ينتهي الربح عليه ،
هامش
( 1 ) - سورة الأعراف ( 7 ) : الآية 50 ، ( م ق ط ) .
( 2 ) - سورة الأعراف ( 7 ) : الآية 156 ، ( م ق ط ) .