وضلّ قومه من بعده فعبدوه وقالوا : إنه ثالث ثلاثة ، وهو الأب والابن والأم ، وسمّوا ذلك بالأقانيم الثلاثة ، ويريدون بالثلاثة كلا من جبرائيل - وهو الأب - ومريم - وهي الأم - وعيسى - وهو الابن - فضلّوا بذلك قوم عيسى ، لأن جميع ما اعتقدوه لم يكن مما جاء به عيسى ، لكن مفهومهم لظاهر أمره أداهم إلى ما صاروا إليه .
ولهذا لمّا قال الله [ ل ] عيسى فقال له :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ
- قدم التنزيه على التشبيه -
ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ
« 1 » يعني كيف أنسب المغايرة بيني وبينك فأقول لهم : اعبدوني من دون الله ، وأنت عين حقيقتي وذاتي ، وأنا عين حقيقتك وذاتك ، فلا مغايرة بيني وبينك ، فنزه عيسى نفسه عما اعتقده قومه ، كأنهم اعتقدوا مطلق التشبيه فقط بغير التنزيه ، وليس هذا بحق الله .
ثم قال : « إن كنت قلته » يعني من تشبيه الحقيقة العيسوية أنها الله ، « فقد علمته » أني لم أقله إلا على الجمع بين التنزيه والتشبيه وظهور الواحد في الكثرة ، لكنهم ضلوا بمفهومهم ، ولم يكن مفهومهم مرادي .
« تعلم ما في نفسي » يعني هل كان ما اعتقدوه مرادي - في ما بلغت إليهم من ظهور الحقيقة الإلهية - أم كان مرادي بخلاف ذلك ، فأظهرت لهم الحقيقة الإلهية في ذلك ليظهر لهم ما في أنفسهم ؟
« ما قلت لهم إلا ما أمرتني به » مما وجدتك في نفسي ، فبلغت الأمر لهم ، ونصحتهم ليجدوا إليك في أنفسهم سبيلا في ذلك ، ليظهر لهم ما في أنفسهم .
هامش
( 1 ) - سورة المائدة ( 5 ) : الآية 116 .