وهو - أي ذلك العالم الغيبي الذي ظهرت فيه النقطة - غيب من جهة بطون النقطة فيه ، وشهادة من حيث ظهور النقطة فيه .
فالبطون والظهور وصفان للنقطة ، لكن ذلك الظهور والبطون من جهة واحدة ، لا من جهة أن ظهورها عين بطونها وبطونها عين ظهورها كما توهم ، وثم عالم يعبر عنه بغيب الغيب ، وهو الغيب الحقيقي الذي لا تدرك شهادته لا دنيا ولا أخرى .
فالأحدية للنقطة صفة لازمة ، وليس في تثنيتها وتثليثها منافاة لوحدتها ، لأن أحديتها بالذات باقية في غيبها المنزه عن الرؤية .
وظهور اثنينيتها في التاء وتثليثها في الثاء بحسب ما لها من المظاهر إذ العوالم ثلاثة :
[ الأول ] : غيب الغيب ، وهو الغيب الحقيقي الذي لا يدرك شهادته .
[ الثاني ] : وغيب مجازي ، وهو الذي يمكن شهادته إما في هذه الدار أو في الأخرى .
[ الثالث ] : أو شهادة وهو ما تراه مما أنت فيه .
فلمّا لاحت أنوار تجليات الذات الأحدية بالنقطة الواحدية على ذوات المشاهدين لها في الحقائق الخلقية قالوا بالشريك ، واتخذوا مع الله إلها آخر ، وقالوا إن الله ثاني اثنين وثالث ثلاثة ، فنزه نفسه - تعالى - عن الخلق ، فقال :
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ
« 1 » .
والأصل في ذلك ، أن عيسى - عليه الصلاة والسلام - من أول قدم ظهر بالقدرة والربوبية ، وهو كلامه في المهد :
وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى
« 2 » .
هامش
( 1 ) - سورة المجادلة ( 58 ) : الآية 7 .
( 2 ) - سورة آل عمران ( 3 ) : الآية 49 .