والحذر أيها الواقف على هذا الكلام أن تفهم الفهم السقيم ، المائل عن الصراط المستقيم ، بأن تقول : أن الذات مكملة بغيرها ، وذاك الغير مكمل بغيره ، فإن هذا فهم فاسد ، وقول ملحد عن الحق ، إذا الغيرية هنا لا ذكر لها ، وإنما يعبر بذلك لمعان معروفة عند أهلها ، مع استقامة المفهوم منها على الكتاب والسنة .
فإذا فهمت ذلك علمت كمال مقام القائل : « ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله بعده » بما أوضحته لك من تلك المعارف ، التي لا يفهم مرادنا منها إلا المحقق العارف .
وأما قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - : « ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله معه » فلقد أشار إلى ما قال زين العابدين علي بن الحسين - رضي الله عنهم - :
إني لأكتم من علمي جواهره * كما يرى الحق ذو جهل فيفتننا
يا رب جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولاستحل رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا
وتروى هذه الأبيات لعلي كرم الله وجهه .
والإشارة في قوله : « ما رأيت شيئا إلا ورأيت معه » شاملة لحقائق المقامات الثلاثة قبلها ، إذ ما من شيء إلا ومعية الحق - تعالى - معه ، بدليل :
هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
« 1 » فمشهده - رضي الله عنه - لا يوصف بوصف دون وصف ، يدل بذلك على كمال جمعيته في جميع الحقائق الحقية والخلقية من كل وجه وكل اعتبار .
ومن ثم قال - عليه الصلاة والسلام - في حقه : « أنا مدينة العلم وعلي بابها » ، فلا يدخل شيء إلى المدينة إلا من بابها .
هامش
( 1 ) - سورة الحديد ( 57 ) : الآية 4 .