فاعلم أن كل الحروف ألفات ، فالباء الموحدة ألف مبسوطة ، والجيم ألف معوج الوسط محني الطرفين ، والدال ألف محني الطرفين ، وهكذا اعتبار كل حرف من الحروف . فما ثم إلا الألف الظاهرة بأعيان الحروف ، ولهذا كان الألف مظهر الأحدية ، والأحدية عبارة عن تجل ذاتي تضمحل فيه كل كثرة وجودية - كانت كأعيان الممكنات - أو حكمية كالأسماء والصفات ، فلا يبقى فيها ظهور لشيء بوجه من الوجوه ، بل هي عبارة عن حضرة سقوط الاعتبارات في الصرافة الذاتية المطلقة - على ما هو عليه حكم الإطلاق والصرافة في جميع الوجود - .
فالحروف مضمحلة في عين الألف ، فإذا برز حرف من الحروف بطن الألف فيه - كما بطنت الأحدية في كثرة الموجودات - ، فليس إلا ظهور الكثرة ببطون الأحدية ، أو ظهور الأحدية ببطون الكثرة ، فكان المجلى العمائي عبارة عن ظهور الأحدية وبطون الكثرة ، وكان المجلى الوجودي عبارة عن ظهور الكثرة وبطون الأحدية ، ولا ينتهي الدور ، فيرجع الأمر كأوله ، فالأول هو عبارة عن الأحدية ، ولذلك قال المحققون : « أن الألف للذات » أي مظهرها .
ولمّا كان الإنسان عين الذات ، جامعا لجميع الكمالات ، وكانت حقيقة الإنسان حاوية لضدي صفات الحق وصفات الخلق على التمام والكمال ، قال المحققون : « أنه الألف » لمناسبة الإنسان لكل حقيقة من حقائق الوجود - حقيا كان أو خلقيا - .
فالإنسان من حيث الجملة هو التجلي الذاتي ، كما أن الألف من حيث هو مجلى النقطة - لما تقدم ذكره - .
فتجلي الحق في الألف تجل ذاتي ، والإنسان بين سائر الموجودات كالألف بين سائر الحروف ، وكالذات بالنسبة إلى الصفات .
الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه شرح الكهف والرقيم ) — صفحة 287
مساهمون: قاسم الطهرانى
ص٢٨٧