بذاته في الآباد والآزال ، فلا حاجة لنفوركم من قولنا : أنه مع خلقه بذاته ، إذ لا نقص يلحقه من ذلك ، لأن ذاته - سبحانه - ليست كالذوات حتى تكون معيته كمعية الأشياء بعضها لبعض ، فكما أن ذاته ليست كالذوات كذلك معيته ليست كالمعيات ، فلا يتعقل انفصال ولا اتصال ، ولا اتحاد ولا مزج ، ولا حلول ، ولا قرب مكان ولا بعد ، بل هو كما يعلمه ، وكما هو عليه مع خلقه - سبحانه وتعالى - .
الوجه الثاني : هو أن صور المعلومات في العلم ليس غير العلم بل هي نفس العلم ، لأن المعلوم من حيث هو هو لم يحل في العلم ، وإنما في العلم صورته ، وتلك الصورة عين تشكل العلم للعالم ، وذلك التشكل هو ذات العالم بالعلم ، فما زاد على أن كان العالم عين الصور المعلومة في علمه ، فإذا سلمنا وقلنا : أنه معنا بالعلم كان ذلك تأكيدا ، لأنه معنا بالذات باعتبار ما بيناه . » انتهى « 1 » .
واعلم أن هذه المعية التي في الآية خلاف المعية المصطلح عليها عند الصوفية ، فإن تلك خاصة ، وهذه عامة .
فهي - أعني معية الاصطلاح - عبارة عن تجلي الحق - سبحانه وتعالى - على العبد في منظر المعية ، فلا يفارق الحق أعني لا يفارق حضرة شهود التجليات الإلهية ، وإلا فما ثمّ فراق ولا وصال ، فهو مع الله أينما كان العبد .
وأما قوله تعالى :
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
« 2 » ، فإن هذه المعية المذكورة في الآية بخلاف ذلك ، لأن هذه المعية منسوبة إلى الله تعالى وليس للعبد فيها شيء ، فهي ولو « 3 »
هامش
( 1 ) - لواقع البرق الموهن : الباب السابع .
( 2 ) - سورة الحديد ( 57 ) : الآية 4 .
( 3 ) - الظاهر أن « ولو » زائدة - المحقق .