كانت أعلى في مرتبة الوجود لنسبتها إلى الله تعالى ، فإن من كان مع الله كان أشرف من مطلق من كان الله معه ، لأن الله - تعالى - واسع ، فهو مع الغافل ومع الحاضر ، وأما العبد فلا يكون مع الله إلا على الحضور ، فمعية العبد مع الله هنا أعلى من مطلق معية الله مع العبد ، لأن الأول لا يخلو من الثاني ، والثاني قد يخلو من الأول ، أعني معية الحق قد تخلو من معية العبد ، ومعية العبد لا تخلو من معية الحق .
وثم وجه ثان يكون من كان الله معه أفضل ممن كان مع الله :
لأن من كان مع الله ، حاصله أنه حاضر معه - سبحانه - في تجلياته غير غافل عنها ، ومن كان الله معه ، حاصله أن الله قد صار مع العبد لاتصافه بصفاته كلها ، فهو معه لا يفارق اتصافه ، ومن ثم قال عليه الصلاة والسلام : « يدور الحق مع عمر حيث ما دار » .
ولسنا نعني هذه المعية بل نعني المعية المطلقة المذكورة في الآية بقوله :
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
« 1 » لأن الحق مع عمر بالمعية المطلقة ، فعمر مظهرها على الكمال ، وغيره على دون ذلك .
ومعية الحق مع نبيّه صلى الله عليه و [ آله و ] سلم على أكمل الكمال ، فأكمل من معية الحق مع عمر ، وذلك لأنه هو المخبر بأن الحق يدور مع عمر ، وما أخبر إلا وقد أحاط ، والمحاط في المحيط ، ولا عكس فافهم ،
وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
« 2 »
هامش
( 1 ) - سورة الحديد ( 57 ) : الآية 4 .
( 2 ) - سورة الزخرف ( 43 ) : الآية 4 .