من الأبعاد الثلاثة - وهي الطول ، والعرض ، والعمق - ، وإن شئت قلت : السمك لأن الأبعاد من لوازم الأجسام ، وذات الباري منزهة عن الجسمية ، فالنقطة أيضا لا يصدق عليها شيء من الأبعاد الثلاثة ، ويصدق الأبعاد على كل الحروف ، فكل حرف لا بد أن يكون فيه بعد أو بعدان أو الثلاثة .
وليس البعد الواحد لشيء من الحروف سوي الألف ، فله من الأبعاد الطول لا غير ، وغيره لا بد أن يكون فيه بعدان أو ثلاثة ، فلهذا كان الألف أشرف الحروف ، لأنه ما بعد من النقطة إلا بعدا واحدا ، وسيأتي الكلام على ذلك .
ولمّا كان الحقّ مقدّما على الخلق كان الخلق محتاجا إليه ، لتعلقه به وعدم قيامه بنفسه ، كذلك الباء أيضا احتاجت إلى نقطتها حتى ظهر شرفها ، وتميزت عن أخواتها في الكتابة ، فالتاء - المثناة من فوق - والثاء - المثلثة - صورتهما في الكتابة صورة الباء ، فما تميزت الباء عنهما إلا بنقطتها ، فإن للباء بعد الألف الشرف على بقية الأحرف ، ولهذا قامت مقامه في
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
لأنها عبارة عن نفس الإنسان ، والإنسان أفضل عند الله من غيره بدليل
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
« 1 » ، يعني على غيره من خلقنا ، ولمّا كان شرف الإنسان عند الله بهذه المثابة كانت الباء عبارة عن نفسه فافهم .
هامش
( 1 ) - سورة الإسراء ( 17 ) : الآية 70 .