للثاني ، لأن تكرار التجلي لا يكون إلا ممن يخاف نفاد ما عنده ، والحق ليس كذلك ، ومن ثمّ عبرت الطائفة - رضي الله عنهم - بقولهم : « إن الله لا يتجلى على عبد بصفة مرتين ولا على عبدين بصفة واحدة » إلى ما ذكرنا من عدم تكرار التجلي .
فإن قلت : كيف يستقيم قولهم : « إن الله لا يتجلى على عبد بصفة مرتين ، ولا على عبدين بصفة واحدة » وهو متجل بالرحمة ، والرحمة صفة واحدة لموصوف واحد ؟ .
قلنا : المراد بذلك صور تجليات الرحمة ، فإنها متنوعة ، فالرحمة الواقعة في حق زيد ليست الرحمة الواقعة في حق عمرو ، يعني صور ما وقع في حق زيد غير ما وقع في حق عمرو ، بل صور تجليات الرحمة في حق زيد مختلفة ، كل صورة غير الأخرى ، وهذا مبنى مذهب المحققين - رضي الله عنهم - .
على أن ليس في الوجود شيء متكرر ، حتى لو قلت ألف مرة : زيد زيد لم يكن لفظ زيد متكررا ، وإنما كمال المثلية أو همت التكرار ، وهذا معنى قوله تعالى :
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
« 1 » ، فإن الله يوجد العالم ثم يعدمه في آن واحد ، وليس زمان الإيجاد بغير لزمان الإعدام ، بل اجتماع نقيض الضد في آن واحد ، وإنما أتى به لتقديم الرتبة العلية كما قال :
فهز الرديني ؟ ثم اضطرب * فزمان الهز عين زمان المهزوز
وقد أتى بثم ولا ترتيب ، ولقد أشار إلى هذه المسألة الإمام الأكبر في فصوص الحكم في فص حكمة سليمانية ، فإن أردت ذلك فعليك بما هنالك .
وقوله : نزل به الروح الأمين على القرطاس ( 1 ) الروح الأمين هو جبرئيل عليه السلام ، والقرطاس هنا كناية عن القلب ، لأن التجلي لا يكون إلا على أفضل ما في
هامش
( 1 ) - سورة ق ( 50 ) : الآية 15 .