فإنه بقطعه لكل منزل من تلك المنازل يعطيه ذلك المنزل - الذي قطعه - حقه من العلم الذي أودع في ذلك المنزل ، فيكون له حجابا عن ضده ، كما كان ضده حجابا له عنه ، فتنزل عليه الحقائق الحقية من تلك المناظر الإلهية ، فيصير عين الوجود وإنسان عين كل إنسان موجود ، فحينئذ هو المعني بقوله تعالى : « كنت سمعه الخ » لأنه ثمرة :
« ما تقرب إلي المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصربه ، ولسانه التي ينطق بها ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها » .
ولا يحصل ذلك إلا بعناية ربانية ، فإذن ليس العبد إلا أشعة مع الحق :
ما شاءَ رَكَّبَكَ
« 1 » ، فلا السعادة بيد أهلها منها شيء ، ولا الشقاوة بيد أهلها منها شيء :
بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً
« 2 » :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
« 3 » .
وأما الوجه الثاني : وهو المؤمن بإيمان صادق فيما أودعته المشايخ [ في ] كتبهم بالتدبر ، والتفهم ، وتلقي المعنى كما وضعوه - رضي الله عنهم - في مصنفاتهم ، مما وقع لهم بطريق الكشف والعيان ، [ و ] ما أظهرته لفهم طريقتهم التي ساروا فيها إلى الله وأكسبهم ذلك السير ، فتكون حينئذ تأخذ علمك منهم بحسب قوابلهم الشريفة وطبايعهم المنيفة .
وأجلّ نفعا في ذلك ، وأبعد للشيطان دفعا ما وضعه الإمام الأكبر ، والكبريت الأحمر ، قدامة المحققين ، سر الله في العالمين ، محيي الدين محمد بن علي ، المعروف بابن العربي - قدس سره العزيز - فإن كلامه ترياق القلوب ، وبغية كل محبوب .
هامش
( 1 ) - سورة الانفطار ( 82 ) : الآية 8 .
( 2 ) - سورة الرعد ( 13 ) : الآية 31 .
( 3 ) - سورة الأنبياء ( 21 ) : الآية 23 .