والطريق في ذلك التسليم إلى أن يفتح الله عليك ، ويأخذ بيدك إليه .
ثم اعلم أن كل علم يرد عليك لا يخلو من ثلاثة أوجه :
الوجه الأول : المكالمة .
الوجه الثاني : كون العلم واردا على لسان من ينسب إلى السنة والجماعة .
الوجه الثالث : كون العلم واردا على لسان من اعتزل عن المذهب ، والتحق بأهل البدع .
فالمكالمة عبارة عما يرد على قلبك من طريق الخاطر الرباني والملكي ، فهذا لا سبيل إلى رده ولا إلى إنكاره ، لأن مكالمات الحق - تعالى - لعباده وإخباراته مقبولة بالخاصية ، لا يمكن المخلوق دفعها أبدا البتة .
وعلامة ذلك : أن السامع يعلم بالضرورة أنه كلام الله تعالى ، وأن يكون سماعه له بكليته ، وأن لا يقيده بجهة دون أخرى ، ولو سمعه من جهة فإنه لا يمكنه أن يخصه بجهة دون أخرى ، ألا ترى إلى موسى [ عليه الصلاة والسلام ] لما سمع الخطاب من الشجرة - والشجرة جهة - لم يقيده بجهة منها .
ويقرب الخاطر الملكي من الخاطر الرباني في القبول ، ولكن ليست له تلك القوة إلا أنه إذا اعتبر قبل بالضرورة ، لأنه لا يرد عليك إلا بما يوافق الشرع ، فقبوله بهذا الاعتبار .
وإنما قيل لك ذلك ، لأن الشيطان قد يلقي لطالب الحق ما يزيغه به .
ومن ثم لمّا كان الشيخ عبد القادر الجيلاني - قدس سره - ماشيا في البادية ، قيل له : يا عبد القادر افعل ما شئت إني قد أبحت لك المحرمات ، فقال : تكذب يا عدو الله ، فقيل له : بما ذا عرفت أنه شيطان ؟ قال : لقوله تعالى :
قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ
« 1 » .
هامش
( 1 ) - سورة الأعراف ( 7 ) : الآية 28 .