ربه عنه به ، واحتجب هو عن ربه بمربوبيته القائمة بربها ، فإذا حصل له الفناء ثم الفناء عن الفناء بقي بربه ، فصار حقا بعد أن كان خلقا ، يعني صار مشهده حقيا بعد أن كان مشهده خلقيا ، لا أن الرب صار عبدا والعبد صار ربا ، حاشا وكلا .
وإلى هذا المعنى أشار الشيخ الأكبر - قدس سره - في بعض أبياته حيث يقول :
الرب حق والعبد حق * يا ليت شعري من المكلف
إن قلت عبد فذاك ميت * أو قلت رب أنى يكلف « 1 »
قوله : « الرب حق » أي لا شك في حقية الرب ، « والعبد حق » لرب هو حق ، فتمنى منك أن تشعره أي تخبره « من المكلف » منهما ؟ فقل له : المكلف منهما هو العبد الذي هو حق لرب هو حق .
ثم أراد أن يختبرك فشبه عليك بقوله : « إن قلت عبد فذاك - العبد - ميت » فكيف يكلّف بعبادة الرب ؟ ، « أو قلت رب » فحاشا الرب أن يكلف ؟ ، فقل له : قيام العبد بربه هو عبادته ، لأن العبادة هنا بمعنى المعرفة على حد
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
« 2 » يعني ليعرفون ، وموت العبد هنا بمعنى جهله ، والجاهل في حيز الأموات كما قال تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
- بالعلم -
وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً
- وهو العقل -
يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ
« 3 » يعني يعقل به العلميات التي خلقت لأجله .
هامش
( 1 ) - الفتوحات المكية : ج 1 ، ص 2 و 553 .
( 2 ) - سورة الذاريات ( 51 ) : الآية 56 .
( 3 ) - سورة الأنعام ( 6 ) : الآية 122 .