وقوله : مجهول في حقيقة غيب « كنت كنزا مخفيا لا أعرف » ( 1 ) ، أشار بذلك من حيث التجلي الذاتي الذي هو واحد لواحد [ لا أحد ] وهو المعبر عنه بتجلي النقطة فإنها غيب الغيب ، وهو الذي أشار إليه في قوله : مجهول في حقيقة غيب كنت كنزا كما نقول : زيد مجهول في غيب الدار ، فالدار ظاهر ، وباطنه غيب ، وزيد باطن ذلك الغيب ، فإذا هو غيب الغيب .
فلمّا لم يكن لأحد من المخلوقين قوة قابلية على شهود ذلك التجلي أقرّوا بالعجز عن معرفته ، فقال الصديق الأكبر - رضي الله عنه - : « العجز عن إدراك الإدراك إدراك » وفي رواية : « العجز عن درك ذاك إدراك » ، فقال سيد أهل هذا المقام : « ما عرفناك حق معرفتك ، أنت كما أثنيت على نفسك » ، فرجع إلى الله في معرفة الله بالله ، وأحال أنه كما يعلم نفسه ، وأبان هو - سبحانه وتعالى - معنى ذلك ، فقال مخاطبا عما هنالك :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
« 1 »
ثم لمّا كانت رتبة الصديقية دون مرتبة النبوة قال صاحبها بلفظ العجز صريحا عن حاله ، فقال صاحب الختام معبرا عن عجز الأنام : « ما عرفناك حق معرفتك » ، على لسان أمته ، معتذرا لهم عند المعروف الذي لا يعرف لسواه .
وعن نفسه : « أنت كما أثنيت على نفسك » أي عني .
ومن ثم كان هو الكنز المخفي المتعرف به إلى خلقه ليعرفوه به ، فعرفه خلقه به .
ومعرفتهم له دون معرفته بنفسه ، لكن تلك حسب استطاعتهم كما قال تعالى :
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
« 2 » ، ومن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى لا يأمر العبد تكليفا بما لا يمكنه القيام به .
هامش
( 1 ) - سورة الأنعام ( 6 ) : الآية 91 ، وسورة الزمر ( 39 ) : الآية 67 .
( 2 ) - سورة آل عمران ( 3 ) : الآية 102 .