وإلى ذلك أشار سيد أهل هذا المعنى بقوله عليه الصلاة والسلام : « أنا أعرفكم بالله وأشدكم خوفا منه » فما خاف صلى الله وسلم من الرحمان ولا من الرب ، وإنما خاف من الله ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ
« 1 » على أنه أعرف الموجودات بالله ، فالمعنى - من باب الإشارة في معنى الآية - أنه ربما يبرز من ذلك الجانب الإلهي أي لا أدري أي صفة [ أظهرها في المعنى الإلهي ] ولا أظهر إلا بما يقتضيه حكمها وليس لحكمه قانون لا نقيض له ، فهو يعلم ولا يعلم ، ويجهل ولا يجهل ، فسبحان من جعل غاية المعرفة في حقه العجز [ عن معرفته ] .
اعلم أن للألوهية سرا ، وهو أن كل فرد من الأشياء التي يطلق عليها اسم الشيئية - قديما كان أو محدثا ، معدوما كان أو موجودا - فهو يحوي بذاته جميع بقية أفراد الأشياء الداخلة تحت هيمنة الألوهية - بتأخير النون عن الميم - لأنها عبارة عن التجلي الإلهي الإطلاعي التصريف بحكم الاستقلال في التصريف والشمول .
وأما الهينمة - بتأخير الميم عن النون - فهي عبارة عن سريان وجود الحق في المراتب الإلهية والخلقية بحكم الظهور في الجميع على ما تستحقه كل مرتبة من الأحكام ، والشؤون ، والمقتضيات ، والظهور ، فافهم .
فمثل الموجودات كمثل مرآي متقابلات توجد جميعها في كل واحدة .
فإن قلت : أن المرايا المتقابلات قد وجد في كل منهما ما وجد في الأخرى ، فما جمعت الواحدة من المرائي إلا ما بقي عليه ، وبقيت الأفراد المتعددات من المرائي التي تحت كل فرد منها جميع المجموع ، ساغ بهذا الاعتبار أن تقول ما حوى كل فرد من أفراد الوجود إلا ما استحقته ذاته ، لا زائد على ذلك .
هامش
( 1 ) - سورة الأحقاف ( 46 ) : الآية 9 .