ولما كان اعتبار الظهور والبطون من جهة واحدة يحصل الله تعالى فيه تردد ، قال الله تعالى :
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا
« 1 » يقول تعالى شأنه : أن الهوية المشار إليها بلا إله إلا هو ، هي عين الإنيّة المشار إليها بلفظة أنا ، فكانت الهوية معقولة في الإنية ، فهذا معنى قول أهل الله : ظاهر الحق عين باطنه وباطنه عين ظاهره ، ألا ترى إلى الحق - سبحانه وتعالى - كيف أنه أكد الجملة بأنّ ، فأتى بها مؤكدة لأن كل كلام ينكره السامع يحق التأكيد فيه ، بخلاف ما لو كان السامع خالي الذهن فإنه لا يحتاج فيه إلى تأكيد .
وأما فائدة التقسيم بالظاهر والباطن فيه فللنفس في هذه المسألة إما تردد وإما إنكار ، فلهذا أكد الحق بلفظة « إنّ » فقال لموسى عليه الصلاة والسلام : إن هو [ إنّني ] .
يعني : إن الأحدية الباطنة المشار إليها بالهوية هي الإنية الظاهرة المشار إليها بلفظة أنا ، فلا تزعم أن بينهما تغايرا وانفصالا وانفكاكا بوجه .
ثم فسّر الأمر بالبدلية ، وهو العلم الذاتي على اسم الله ، إشارة إلى ما تقتضيه الألوهية من الجمع والشمول ، لأنه لما قال له أن بطونه وغيبوبته عين ظهوره وشهادته ، نبّه عليها أن ذلك من حقيقة ما هو عليه الله ، فإن الألوهية في نفسها تقتضي شمول النقيضين وجمع الضدين بحكم الأحدية وعدم التغاير في نفس حصول التغاير ، وهذه مسألة حيرة .
ثم فسر الجملة بقوله :
لا إِلهَ إِلَّا أَنَا
يعني الإلهية المعبودة ليست إلا أنا فأنا الظاهر في تلك الأديان والأملاك والطبائع وفي كل ما يعبدونه أهل كل ملة [ نحلة ] لذلك الإلهية إلا أنا ، ولهذا ثبت لهم لفظ الإله .
هامش
( 1 ) - سورة طه ( 20 ) : الآية 14 .