إلى رفيقها الأعلى كالرّفيق الرّقيق ، وآملا أن يكون للطّالب كالشّقيق الشّفيق ، فيستأنس به في فلواتها البسابس ، ويتطرّق به في معالمها الدّوامس ، ويستضئ بضياء معارفه في ظلمات نكراتها الطّوامس ، فقد فقدت شموس الجذب من سماء قلوب المريدين ، وأفلت بدور الكشف عن سماء أفلاك السّائرين ، وغربت نجوم العزائم من همم القاصدين ، فلهذا قلّ أن يسلم في بحرها السّابح ، وينجو من مهالك قفرها السّائح :
كم دون ذاك المنزل المتعال * من مهمة قد حفّ بالأهوال
وصوارم بيض وخضر أسنّة * حملت على سمر الرّماح عوال
والبرق يلهب حسرة من تحته * والرّيح عنه مخيّب الآمال
وكنت قد أسّست الكتاب على الكشف الصّريح ، وأيّدت مسائله بالخبر الصّحيح ، وسمّيته :
بالإنسان الكامل ، في معرفة الأواخر والأوائل ، لكنّي بعد أن شرعت في التّأليف ، وأخذت في البيان والتّعريف ، خطر في الخاطر أن أترك هذا الأمر الخاطر إجلالا لمسائل التّحقيق ، وإقلالا لما أوتيت من التّدقيق ، فجمعت همّتي على تفريقه ، وشرعت في تشتيته وتمزيقه ، حتّى دثّرته فاندثر وفرّقته شذر مذر « 1 » ، فأفل شمسه وغاب ، وانسدل على وجه جماله برقع الحجاب ، وتركته نسيا منسيّا ، واتّخذته شيئا فريّا ، فصار خبرا بعد أن كان أثرا مسطورا ، وتلوت
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
« 2 » وأنشد لسان الحال بلطيف المقال :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا * أنيس ولم يسمر بمكّة سامر
فأمرني الحقّ الآن بإبرازه بين تصريحه وإلغازه ، ووعدني بعموم الانتفاع ، فقلت : طوعا للأمر المطاع ، وابتدأت في تأليفه ، متّكلا على الحقّ في تعريفه ، فها أنا ذا أكرع من دنّه القديم بكأس الاسم العليم ، في قوابل أهل الإيمان والتّسليم ، خمرة مرضعة من الحيّ الكريم ، مسكرة الموجود والعديم :
هامش
( 1 ) - تقول : ذهب القوم شذر مذر أو شذر مذر ، أي : ذهبوا متفرقين ، ومذر هنا بمعنى الاتباع ( م ق ط ) .
( 2 ) - سورة الإنسان ( 76 ) : الآية 1 ، ( م ق ط ) .