تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه شرح الكهف والرقيم ) — صفحة 9

مساهمون:

ص٩
وهكذا كلّ مسألة من مسائل العلوم الموضوعة في الكتب ، فإنّ الآخذ لها من المعدن الّذي أخذ منه مصنّفها . وما ورد عن بعض أهل اللّه منع بعض التّلامذة عن مطالعة كتب الحقيقة ، لأنّ قاصر الفهم لا يخلو إمّا أن يتناول كلامهم على خلاف ما أراده فيستعمله فيهلك ، أو يضيع العمر في تصفّح الكتب بلا فائدة ، فنهى الشّيخ لمثل هذا عن مطالعة هذه الكتب واجب ليشتغل بغيرها ممّا فيه نفعه . وأمّا من كان ذا عقل ذكّي وفهم عليّ وإيمان قويّ ، يأخذ من كتبنا كلّ ما يأخذه وينال منها كلّ مقصده . ولقد رأيت في زماننا هذا طائفة كثيرة من كلّ جنس من أجناس العرب والفرس والهند والتّرك وغير ذلك من الأجناس كلّهم بلغوا بمطالعة كتب الحقيقة مبالغ الرّجال ، ونالوا منها مقاصد الآمال ، فمن أضاف بعد ذلك إلى علمه وفضله سلوكا واجتهادا صار من الكمّل ، ومن وقف بعد علمه كان من العارفين . وسبب ذلك أنّ المسائل الموضوعة في كتب أهل الحقيقة إنّما تفيدك بالوضع علم التّوحيد تصريحا ، وبالعبارة والإشارة عين التّوحيد كناية وتلويحا ، وبضرب الأمثال حقّ التّوحيد رمزا وتسليحا ، فقد يكون بعض الكتب مسبوكا على هذه الهيئات كلّها ، فيدخل بك إلى علم اليقين فإن علمت بمقتضاه ، ولازمت مطالعة ذلك الكتاب على حكم ذلك العلم فإنّه ينتقل بك إلى عين اليقين ، ثمّ يرقّيك إلى حقّ اليقين إن أعطيت نفسك لذلك العين على حكم ما ذكره المؤلّف ، وإلّا فهو مهلك وانتهاك . فإذا بلغت إلى حقّ اليقين انقطعت فائدة الكتب عنك ؛ وهذا منتهى ما تبلغ بك الكتب إليه إن كنت شهما وحويت تمييزا وفهما ، وأمّا حقيقة اليقين فلا تستفاد من الكتب بنوع من الأعمال ألبتّة لأنّه في الأصل لا يدخل تحت الإفادة الكونيّة بحال فهو أمر وهبي فوق المدارك العلميّة والعينيّة والذّوقيّة يمنحه اللّه من يشاء من أهله . ولعلّك تقول : إن كان لا بدّ من الانقطاع بعد فائدة الكتب في آخر الأمر ، فإذا أتركها في أوّل الأمر وأرجع إلى ما ترجع إليه . فأقول لك : إنّ المراتب المشار إليها بعلم اليقين ، وعين اليقين ، وحقّ اليقين ، الّتي ذكرنا عنها أنّها منتهى فائدة الكتب لا يكاد أن يصل إليها ، بل ولا إلى أقلّها باجتهاد العمر كلّه ، فإنّي