والتّجلّيّ ، مع التّأييد الإلهيّ بروح القدس لدى الإلقاء والتّلقيّ ، حتّى أنّهم مع دوام النّفحات وتواتر الخيرات لم يزالوا يطلبون العلم من بعضهم بعضا ، ويسيحون في الأرض للوقوع على رجل منهم ليفيدهم في مسألة طولا وعرضا ، ولهذا قال الجنيد رضي اللّه عنه : « لو علمت أنّ تحت أديم السّماء علما أشرف من علمنا هذا لرحلت إليه » ، تنبيها على شرف هذا العلم ، وأنّه ممّا ينبغي للمريد أن يرحل إليه ، بل يجب عليه .
وقال الشّيخ أحمد الرّفاعي رضي اللّه عنه لتلامذته : « تعلّموا هذا العلم ، فإنّ جذبات الحقّ في زماننا قلّت » ، يريد بالجذبات المجذوبين ، يعني أنّ المجذوبين قلّوا في الزّمان ، وسبب قلّتهم عدم تعرّض أهل الزّمان لنفحات الرّحمن ، وإن شئت قلت : عدم التّحلّي لقبول فيض التّجلّيّ .
وقد يكون قصد الشّيخ بقلّة الجذبات قلّة ظهورها على أهل الزّمان ، لا لكّونها قليلة في نفس الأمر ، لأنّ اللّه - تعالى - لم يزل متجلّيا بجميع تجلّيّاته ، مفيضا على خلقه بمقتضيات أسمائه وصفاته .
ولقد بلغني عن شيخي الشّيخ إسماعيل الجبرتي - رضي اللّه عنه - أنه قال يوما لبعض إخواني من تلامذته : عليك بكتب الشّيخ محيي الدّين ابن العربيّ .
فقال له التّلميذ : يا سيّدي إن رأيت أصبر حتّى يفتح اللّه عليّ به من حيث الفيض ؟
فقال له الشّيخ : إنّ الّذي تريد أن تصبر له هو عين ما ذكره الشّيخ لك في هذه الكتب .
هذا كلامهم - رضي اللّه عنهم - للتّلامذة والإخوان ، [ و ] إنّما هو لتقريب المسافة البعيدة إليهم ، وتسهيل الطّريق الصّعب عليهم ، لأنّ المريد قد ينال بمسألة من مسائل علمنا هذا ما لا يناله بمجاهدة خمسين سنة ، وذلك لأنّ السّالك إمّا ينال [ ما ينال إلّا ] ثمرة سلوكه وعلمه ، والعلوم الّتي وصفها الكمّل من أهل اللّه - تعالى - [ ليست ] هي ثمرة سلوكهم وأعمالهم الخالصة ، فكم بين ثمرة عمل معلول إلى ثمرة عمل مخلص ، بل علومهم من وراء ثمرات الأعمال ، لأنّها بالفيض الإلهيّ الوارد عليهم على قدر وسع قوابلهم ، فكم بين قابليّة الكامل من أهل اللّه وبين قابليّة المريد الطّالب .
فإذا فهم المريد الطّالب ما قصده من وضع المسألة في الكتاب وعلمه ، استوى هو ومصنّفه في معرفة تلك المسألة ، فنال بها ما نال المصنّف ، وصارت له ملكا مثل ما كانت للمصنّف .
الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه شرح الكهف والرقيم ) — صفحة 8
مساهمون: قاسم الطهرانى
ص٨