قد رأيت صبيانا من أهل الطّريق من إخواني بلغوا بمطالعة هذه الكتب في الأيّام القليلة ما لم يبلغه رجال باجتهاد أربعين وخمسين سنة ، على أنّهم قد كانوا سببا لدخول أولئك الصّبيان في مطالعة كتب الحقيقة وفهمها ، وتأخّروا عن مداهم صار الصّبيان شيوخا في الحقيقة والشّيوخ لهم صبيانا حتّى أنشد منشد فقال :
وقد تبنّيت آباني على ثقة * ولا محالة أنّي وجه كلّ أب
وهذا البيت لرجل من تلامذة شيخ لم نعلم له شيئا من أعمال الطّريق سوى مطالعة كتب الحقيقة حتّى بلغ من هذا العلم ما سبق به كثير من السّابقين واسمه أبو بكر بن محمّد الحكّاك له نظم كثير في علم الحقيقة فمن وقف على ديوان شعره وعرف مقداره حظي بطائل .
وإنّما أوردت لك هذه الحكايات كلّها في ديباجة هذا الكتاب حتّى أفهمك قدر هذا العلم وعلوّ شانه لترغب في تحصيل هذا الفنّ الشّريف بمطالعة هذه الكتب وممارستها ومذاكرتها مع أهلها حيث كانوا ، فإنّ الرّجل منهم قد يفيدك بكلمة ما لا يفيدك الكتب كلّها في العمر كلّه ، لأنّك تأخذ من الكتاب بفهمك ، والرّجل العالم باللّه إذا أرادك لفهم مسألة على ما هي عليه أعطاك فهمه فيهما ، وكم بين فهمك وفهمه .
ولقد كانت مطالعة كتب الحقيقة عند المحقّقين أفضل من أعمال السّالكين ، ومجالسة أهل اللّه مع التّأدّب معهم أفضل من مطالعة الكتب كلّها ، فعليك ثمّ عليك بملازمة المطالعة في كتب الحقائق والعمل بمقتضى علومها ، فإنّك تحصل بذلك على مقصودك وتقع به على معرفتك بمعبودك إن شاء اللّه تعالى .
واعلم أنّ معرفة اللّه تعالى منوطة بمعرفة هذا الوجود فمن لا يعرف الوجود لم يعرف الموجد - سبحانه وتعالى - وعلى قدر معرفته لهذا الوجود يعرف موجده .
وقال في بداية الإنسان الكامل :
أمّا بعد ، فأنّه لما كان كمال الإنسان في العلم باللّه وفضله على جنسه بقدر ما اكتسب من فحواه ، وكانت معارف التّحقيق المنوطة بالإلهام والتّوفيق حرما آمنا يتخطّف النّاس من حوله بالموانع والتّعويق ، قفارها محفوظة بالغلطات والتّزليق ، بحارها مشوبة بالهلكات والتّغريق ، صراطها أدقّ من الشّعر الدّقيق ، وأقطع من لسان الحسام الرّقيق ، لا يكاد المسافر أن يهتدي فيها إلى سواء الطّريق . ألّفت كتابا باهر التّحقيق ظاهر الإتقان والتّدقيق ، رجاء أن يكون للسّالك