بسم اللّه الرّحمن الرّحيم وصلى اللّه على محمد وآله الطيبين الطاهرين يعتبر الشيخ عبد الكريم الجيلي من أكابر العرفاء الشامخين والشارح الثاني لمدرسة ابن عربي العرفانية - بعد الشيخ الكبير صدر الدين القونوي - ويتمتع أولا بالشهود الإلهي لكل ما أبرزه من المعاني الغيبية والمجردة بل ما أظهره وأبانه من الحقائق التي يصطلح عليها أهل المعرفة بما وراء المعاني البسيطة الكلية ، وثانيا بالبيان العذب السلس البعيد عادة عن الألغاز والغموض ، وثالثا بالعرض البرهاني ذي الصبغة العقلية والذي نشاهده كثيرا في كلمات الشيخ الكبير القونوي ونشاهده في عبارات الجيلي في حين وآخر مما يكشف عن طول باعه في المباحث الفلسفية والعقلية إضافة إلى استشهاده عادة بالآيات والروايات .
وقد أكدت مدرسة ابن عربي العرفانية على الجانب العلمي في السلوك الإلهي أكثر من الجوانب الأخرى ، وتعتبره منهجا أكثر عطاء في السلوك من باقي المناهج ، ومن هنا تؤكد على ضرورة مطالعة كتب أهل المعرفة وبخاصة كتب الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي قدّس سره وتعتقد أن قراءتها بدقة وإخلاص ترقي السالك إلى التلبس بالمراتب العالية من السلوك والعرفان بسهولة وفي أقرب وقت ، بينما لا تحصل هذه المراتب عادة إلا بعد زمن طويل من المجاهدات الشاقة .
يقول الجيلي عن ذلك في كتابه « مراتب الوجود » ما نصه :
أمّا بعد فإنّ أولى ما اعتنى به العقلاء ، وأعزّ ما صرف العمر في طلبه الفضلاء ، هو العلم باللّه ، وإنه لكثرة اتّساعه وعظم شياعه لا يكاد المرء يبلغ من تداركه مقصودا ، ولو كان بجميع الإمدادات ممدودا .
وإنّ القوم المشار إليهم بهذا العلم - رضوان اللّه عليهم - إنّما أخذوا منه طرفا ، كل على قدر قابليّته ، وقبول الفيض المقدّس والأقدس من حضرة التّجلّي ، والتّحقّق بحقيقة الاتصاف
الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه شرح الكهف والرقيم ) — صفحة 7
مساهمون: قاسم الطهرانى
ص٧