تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
التعيّنات الوجودية هي أسماء تلك الأسماء ، وهي مسمّيات بالنسبة إلى هذه الأسماء اللفظيّة والرقمية ، فبقوله :
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ
[ البقرة : الآية 31 ] أريد تلك المسمّيات بالنسبة ، وبتأكيد كلّها أدخلت هذه الأسماء اللفظية والرقمية فيها ، ولهذا ذكر هذه الأسماء الحقيقية بصيغة مختصّة بالذوات العاقلة ، وهي لفظة هم وهؤلاء ؛ فكأنه تعالى وتقدس عرّف وعلّم آدم حقيقة ذاته - أي ذات آدم - وما اشتملت عليه حقيقته ووجوده من الأسماء والصّفات والحقائق الحقية والخلقية الثابتة في المرتبة الثانية متميّزة بعضها من بعض من وجه غير الأسماء الذاتية الثابتة في الرتبة الأولى ، فإنها على الحقيقة مسمّيات لتلك الأسماء المتعلق بها وجود العالم ، فعرف بذلك التعليم والتعريف نفسه ، وبتلك المعرفة ربّه ، على ما قال : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » ، فكملت ذاته من جهة جمعيّته بذلك . ثم أراد أن يجمع له بين الجمعيتين ، فشرع في تكميله من جهة أخص أجزائه الذين هم الملائكة حيث صاروا قائلين لذلك بحكم التنبيه المدرج في قوله :
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
[ البقرة : الآية 30 ] ، فعرض كل ما علم آدم مما اشتملت ذاته عليه باطنا وظاهرا وخلقا وحقّا على الملائكة ، وقال :
أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[ البقرة : الآية 31 ] ، أي في ظنّ أهليتكم للخلافة ، وفي ما استدللتم بعقولكم من شيء على شيء ، فأخبروني بأسماء ما في بواطنكم من الأحكام الإمكانية التي اقتضت فيكم ما أبديتم من العصبية والقدح والدعوى والأنانية ، واستدلّوا بما أظهر ، ثم على ما كنتم في بواطنكم وما قدرتم على إظهارها لغلبة حكم حقائقها فيكم وبأسماء ما في ظواهركم من الوجود ، وما أفضيت منه في عوالمكم من ملكوت كل شيء مفصّلا ، وأخبروني أيضا بأسماء ما اشتمل عليه العالم الأعلى والأسفل المشهود لكم لغة أو خاصيّة موسومة به . وأخبروني أيضا بأسماء ما اشتمل عليه ذات آدم من خصائص حقّيته وخواص خلقيّته ، فإن هذا العلم من خصائص الخليفة الذي من شرطه أن يكون على صورة مستخلفه ، فحيث كانت الملائكة محصورين بحكم عالمهم ونشأتهم لم يهتدوا إلى معرفة ما كان خارجا عنها ، فاعترفوا بالعجز والقصور ، وقالوا بلسان نشأتهم : سبحانك من أن يعلم أحد شيئا مما ظهر وبطن إلا ما علمته ذلك إمّا بالفطرة أو بالتعليم الكسبي ، ومن أن يعارض قولك وحكمك وحكمتك وعلمك ويقاوم أحد سطوات عتابك وتبعات خلافك
لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا
[ البقرة : الآية 32 ] بالفطرة
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 99 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني