تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
صورة الرحمن » ، فكان آدم عمّا بحقيقته جامعا كل ما جمعه البرزخ والتجلّي الثاني من الأسماء والصفات والحقائق الإلهيّة والكونية ، كما أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم كان بحقيقته وصورته جامعا كل ما جمعه البرزخ الأول من المفاتيح والواحد والأحد جمعية حقيقية أحدية بحيث لا يغلب حكم شيء شيئا أصلا ، وكما كانت الملائكة من جملة قوى اليد المضافة إلى الصورة الرحمنية التي خلق آدم عليها ، بل هو عين صورة تلك الصورة على ما ذكرنا ، فكذلك كانوا - أي الملائكة - مظاهر أوصاف حقيقة آدم وأجزاء صورة جمعيته عليه السلام ، وحقيقة آدم وصورته الجامعة كلّها . وكمال كل إنما يظهر من جهتين وطريقين ، أحدهما : من جهة كليّته وجمعيّة أجزائه ، وإن كان كل جزء منه بمفرده ناقصا ، والثاني من جهة إضافة الكمال إلى كل جزء وجزء من أجزائه بإزالة النقصان عن كل واحد من أجزائه ، فيظهر الكمال ، ويضاف إلى الكل من جهة أجزائه ، لا من جهة جمعيّته ، أو من الجهتين جميعا ، فأراد الحقّ تعالى تكميل آدم ، ومن شاء من خواص بنيه من كلتي الجهتين ، فبدأ بتكميل أجزائه ، وكان مبدأ ذلك التكميل خطاب الملائكة الذين هم أشرف أجزائه من الخلق على سبيل المشورة بقوله تعالى :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
[ البقرة : الآية 30 ] ، حتى يظهر منهم ما كان كامنا فيهم من النقصان الراجع إليهم من قبل إمكانهم وخصائص خلقيتهم . فمن ذلك طعنهم وقدحهم في آدم عليه السلام ، ومنه رميهم له ببهتان الهتك والسفك بدون مشاهدة صدور ذلك عنه ، ومنه قذف المحصن ، ومنه الشهادة عند الحاكم قبل الاستشهاد ، ومنه ظنّ السوء فيه ، ومنه التجسّس والتفحّص عن معايبه ، ومنه إظهار ذلك بالقول ، ومنه كون ذلك الإظهار عن استدلال عقلي بآلة الفعل ، وهي الشهوة والغضب على فعل الفساد وسفك الدم ، ومنه الإعراض في ذلك الحكم عن التيقّن والاستبصار والمعاينة ، ومنه اغتيابهم لآدم في حضرة الحقّ ، ومن ذلك حسدهم على فضيلته وصلاحيته للخلافة ، ومنه حرصهم على جاه الخلافة ، ومنه ظنّهم الغير المطابق أنهم يصلحون للخلافة ، وإن كان مبنيّا على أصل ظاهر ، وهو حصول الجمعية لهم من ثلاث جهات : إحداها : جهة حقيقة الحقائق الجامعة لجميع الكمالات السارية في كل جزء بكليّتها ، والثانية : جهة الوجود المطلق الكلّي الجامع جميع الأسماء المشتمل على