تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
والجبلة من حيث نشأتنا
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ
[ البقرة : الآية 32 ] بما سائلنا عنه الحكم بإيداعه فيما يأهل لذلك . فلمّا بان عجزهم وتنصّلوا عما قالوا وما فعلوا عاد إلى تكميلهم بواسطة أصلهم وكلّهم فقال لآدم : أنبئهم بأسماء المسميات الذين هم عين أسمائنا الذاتية والصفاتية والفعلية والحالية المرتبية المفيضة منها والمفاضة والمتعلقة بنشأتهم وغيرها ، فلما أنبأهم آدم بذلك حينئذ علموا وكملوا بذلك العلم من جهة كلّهم وكمل بكمالهم كلّهم كمالا آخر من جهة أجزائه ، ثم ذكرهم تحقيق قوله :
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
[ البقرة : الآية 30 ] ، بتكرار قوله :
أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ البقرة : الآية 33 ] من الأسماء السارية آثارها فيها بالحكم الإيجادي مع الآنات ، وهي التي تخلق وتحقّق بها آدم عليه السلام :
وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ
[ البقرة : الآية 33 ] من أحكام وجودكم
وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
[ البقرة : الآية 33 ] من أحكام إمكانكم ومقتضيات حقائقكم ، فعلّمتها جميعا آدم وأودعتها في ظاهره وباطنه وقلبه وسرّه وسرّ سرّه ؛ لكمال قابليته وجمعيّته وتمام نشأته ، فجعلته بهذه القابلية التامّة خليفتي في كمال معرفتي إياي وشهودي نفسي به فيه وفي كل شيء ، وفي محبّتي ذاتي مطلقا ومقيّدا ، وظهور لنفسي بكمالي الذاتي والأسمائي مجملا ومفصّلا ، وفي تصرّفي في ملكي ومللي ، فانقادوا وأخضعوا له خضوع الجزء للكل والفرع للأصل ، فخضعوا له جميعا واعترفوا بكلّيته لهم ما عدا إبليس الذي لم يفهم ما قيل ، وهدى إليه بحكم انحرافه وبعده من قبول الحقّ ، فإن نشأته نارية مقتضية للاستعلاء والاستكبار ، وبون ما بين نشأته ونشأة آدم ، فإن هذا في غاية التنزّل والضّعة ، وذلك في نهاية الاستعلاء والتكبّر والترفّع ، فلذلك لم تؤثر فيه الحكمة ونور الهداية ، فلم ينقد لآدم ، ولم يعترف بكلّيته وأخرج عن دائرته ، فخرج وبعد من الكمال إلى النقصان والخذلان ، فإنه لم يقتصر على عدم القبول وترك الانقياد حتى بدأ بوصف المقابلة واللّجاج والاحتجاج بحجج وهمية لائقة بنشأته ، فقال : إن كان علّة اجتباء آدم جمعيته فأنا أيضا جامع بين نشأتي الروح والحسّ ونشأتي أرفع وأقدم وألطف من نشأته ، فإن النار أرفع وألطف وأقدم من التراب والطين ، وخضوع الأعلى للأدنى يخالف مقتضى الحكمة ، فحجب بوهمه وأبعد بحجّته ولجاجه واعتراضه في مقابلة الأمر المطاع ، وكان ملقي الشبهة أولا بين الملائكة والحامل لهم على القدح والطعن في آدم عليه السلام ، وعلى الدعوى والترفّع