تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
نورية النار فقبلوا به نور الإيمان ، وأعلى درجات هذا التركيب المعدني أن يقبل الصورة الذهبية لقوّة ثباتها وعدم تطرّق الآفات والنقائص إليها بالكسر والإذابة وطول الزمان ونحو ذلك ، فحصل في المولد المعدني خواص ومنافع لم يكن ذلك في أمهاته التي هي الأركان ؛ كاللّون والطعم والتفريح والتقوية والتغذية والزينة وكونه آلة لقضاء الحوائج بالذات أو بالعرض ونحو ذلك ، ولغلبة الجزء الترابي على الباقي صار مطرحا كالتراب . ثم تنزل الأمر الإلهيّ بحكم الحركة الحبّية الأصلية وسرايتها في العنصر وأركانه إلى التركيب ، فتعيّنت رتبة الاعتدال النباتي والجزء الأصلي فيما يتركّب فيها إنما هو الجزء الهوائي وباقي الأجزاء من الأركان وارد عليه ، وقبل ذلك صورة نباتية واستدعى من الاسم الحيّ روحا نباتيّا يحيي به صورته ويحفظها حتى تصل إلى كمال مناسب لها بسراية أثر المحبّة الأصلية فيها ، فظهر بحكم روحها النباتية فيها ما لم يكن في أمّهاتها ، ولا في الصورة المعدنية ؛ كالقوة الغاذية والمنمّية والمولّدة والجاذبة والدافعة والهاضمة والماسكة . فهذا المزاج والتركيب له ثلاث درجات أدناها الحشائش والأشجار التي يقلّ نفعها بالنسبة إلى أغلب مدارك الخلق ووسطها ، ما يعطي نتائج يعمّ نفعها ويكثر ويكبر فوائدها وثمراتها ذوقا وشمّا ودواء ونحو ذلك ، وأعلاها ما يكون مع ما فيه من فوائد المعدنيّات والنباتات مشابها للحيوان في كثير من الأوصاف والأحكام ؛ كالنخل مثلا ، ثم تنزل الأمر بحكم الحركة الحبية الأصلية إلى التركيب ، فتعيّنت مرتبة الاعتدال الحيواني والجزء الأصلي في تركيب المزاج الحاصل فيها إنما هو الجزء المائي ، قال اللّه تعالى :
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
[ الأنبياء : الآية 30 ] ، وباقي الأجزاء من باقي الأركان وارد على ذلك الجزء المائي ، فقبل ذلك المزاج فيها من الاسم المصوّر صورة الحيوان صورة أفقية ، واستدعى من الاسم الحيّ القيوم روحا حيوانيّا تدبّره وتراعيه وتحفظه بقواها التي أصلها القوة الشهويّة والقوة الغضبية ، وزاد على ما في النبات بالحواس الظاهرة والحركة من مكان إلى مكان بإرادته واختياره حركة أفقيّة . فمن الحيوان ما يستدعي في مزاجه وتركيبه حكمين من جزأين من أجزاء الأركان ، فحكم الجزء الترابي يجذبه إلى الأرض حتى يكون متّصلا وملتصقا بها ، وحكم الجزء المائي يحمله على الحركة والانتقال من مكان إلى مكان ، فيمشي