تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
وإذا عرفت هذا ، فاعلم أنه لما ظهر أثر النفس الرحمني المذكور بصورة العنصر الأعظم في تعيّن وأثر برزخية مناسب له ، وانفتق رتق ألطفه البسيط من وجه على سبعة أقسام كما قرّر ، انقسم كثيفة المركب من وجه كذلك على سبعة أقسام ، أربعة منها هي الأركان وثلاثة توابعها المتركّبة منها هي متمّماتها على نحو ما قرع سمعك في ذكر الأصول الأول ، فالتوابع الثلاثة ههنا هي الأمزجة المتركّبة من هذه الأركان المسمّاة بالمولدات الثلاث التي هي المعدن والنبات والحيوان ، وحيث لم يظهر شيء أصلا إلّا في محل ومرتبة قابلة لكينونته فيها ، لا جرم تعيّن من حضرة الاسم المقسط لها ثلاث مراتب اعتدالية من حضرة البرزخية العمائية يكون ظهور كل مزاج متركّب من هذه الأركان حاصلا في مرتبة منها ، وكون ذلك المزاج فيها بحسب تلك المرتبة وحكمها ، كما هو الأمر في كل مرتبة بأهليها وأصل كل مزاج متركّب من هذه الأركان ومادّته جزء من ركن معيّن وبقيّة الأجزاء المتحصّلة من باقي الأركان واردة على ذلك الجزء الأصلي بحكم سراية أثر المحبّة الأصليّة في العنصر وأركانها إلى ظهور الكمال المتعلّق بالتركيب . فأول ما تعيّن كانت رتبة الاعتدال المعدني ، فإن المعدن أتمّ مشاكلة لأمّهاتها من غيره لثباته وقلّة قواه وقلّة احتياجه إلى الحفظ وبعده من التغيّر والفساد بالنسبة إلى غيره ، والجزء الأصلي في مزاجه وتركيبه إنما هو الجزء الناري ؛ لمناسبة القرب من البسائط وقوّة حكم البساطة فيها ، وورد الجزء الهوائي والمائي والترابي على ذلك الجزء الناري ، فحصل المزاج والتركيب حينئذ ، فقبل من حضرة الاسم المصوّر صورة معدنية ، ومن الاسم الحيّ أثرا يحفظ تركيبه من الانحلال ويوصله إلى الكمال . أما في مبدأ تمام تلك الصورة ، فاحتاج في ظهور تمام صورته إلى عمل وعلاج كثير ، كالفضة والحديد ونحو ذلك مثلا . وأمّا في وسطه ، فلم يحتج إلا لقليل معالجة ، كالذهب مثلا ، وأما في انتهائه ، كجعل وياقوت ومرجان ونحو ذلك ، فلم يحتج إلى شيء من المعالجة والعمل ، وقبل ورود باقي الأجزاء من باقي الأركان على هذا الجزء الناري تركّبت معه أجزاء نارية أيضا ، فصارت صورا وأمزجة نارية في هذه المرتبة ، وتعلّقت بها أرواح جنيّة مستورة عن كل ما تركّبت صورته من غير نوع صورتهم وإبليس مبدؤهم ، وهم صنفان : صنف غلبت على مادة صورتهم الأجزاء المظلمة الدخانية من النار ، فكانت مردة وقسم غلبت عليهم