على بطنه بمقتضى هذين الحكمين ، ومنه ما يقتضي قيام مزاجه وتركيبه بغلبة حكمي جزئي المائي والترابي ، فيتحرّك برجلين على الأرض كالإنسان ، أو غلبة حكمي جزئي المائي والهوائي ، فيتحرّك برجليه ويطير في الهواء بجناحيه بذينك الحكمين كالطير ، ومنه من يكون اقتضاء جميع الأركان الأربعة في قيامه وحركته على السواء ، فيتحرّك ويقوم ويمشي على أربع ، ومنه ما يكون اقتضاء قيامه وحركته بقوى كثيرة من الأركان والمولدات ، فيقوم على قوائم أكثر من ذلك لهذا المعنى ، قال عزّ من قائل بعد ما عدّ هذه الأصناف الثلاثة الغالب ظهورها في قوله :
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ
[ النّور : الآية 45 ] .
ولمّا كان منتهى تنزّل الأمر الإلهي ونزول أثر النفس الرحمني من كونه مفاضا إنما هو الركن الترابي الأرضي والتركيب والمزاج الذي أصل أجزائه منه وأجزاء باقي الأركان وارد عليه تركيب ومزاج جامع جميع مراتب الأمزجة السابقة عليه لمرور الأمر عليها وانصباغه بأحكام الكل ، والأمر كما قرّرنا غير مرّة دوري فآخره يكون متّصلا بأوله أو هو عينه ، فلا جرم تعيّن في عين هذا المنتهى الترابي الأرضي لظهور هذا التركيب المتمّم للدور المذكور رتبة اعتدال شاملة جميع الرّتب الاعتدالية الثلاث المذكورة ، بل جمع المراتب البرزخية العلويّة والسفلية ، وهي - أعني هذه الرتبة الشاملة - صورة للبرزخ الأول والثاني ، وهما أبطن بواطن الحقيقة الإنسانية ، وميزان جميع المراتب الوسطية الاعتدالية وأصلها ومنشؤها ، ولكن صورة معقولة ، والمزاج المتركّب التامّ الاعتدال فيها صورته أيضا لكن صورة محسوسة ، والروح الإلهي المنفوخ فيه بالنفخ الإلهي صورة التجلّي النفسي الرحمني الإلهي الظاهري .
وكما أن هذا البرزخ الثاني الجامع بين الوجود والعلم المتعلّق بالمعلومات الممكنة والأسماء والصفات والحقائق الإلهيّة والكونية صورة حقيقية للبرزخ الأول الجامع بين الواحدية والأحدية الذاتية ، والتجلّي الثاني الظاهري النفسي أيضا صورة وظلّ للتجلّي الأول الغيبي الباطني الحقيقي ، فكذلك هذه الرتبة الاعتدالية الشاملة المذكورة والمزاج المركب الإنساني الحاصل فيها بعد حصول النفخ فيه كانت صورة ذلك البرزخ والتجلّي بما اشتملا عليه من الأسماء والحقائق والصفات الظاهرة والباطنة ؛ كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه خلق آدم على صورته ، أو على »