حيطه اسم إلهي في الأصل ، فكان ذلك الوجه من الكرسي هو المسمّى بالفردوس الذي هو أعلى الجنان من أحد وجهيه وطرفيه ، وهو جنة الميراث .
وأمّا الوجه الجامع بينهما ، فهو جنة الامتنان وفيها كثيب الرؤية وهي محل الرؤية والمشاهدة وهو المسمّى أيضا بجنّة عدن . وأمّا جنة الأعمال ، فهي طرفه الأدنى الذي يلي عالم الشهادة والحسّ كما ذكرنا ، فكان الأمر الواحداني الإلهي المعبّر عنه بقوله : وما أمرنا إلا واحدة في تنزله بموجب :
وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها
[ فصّلت : الآية 12 ] لإثبات حكم الوحدة وحفظ صورتها ظهر في العرش بحسبه وحدانيّا ، وفي الكرسي بحكم ظهور التفصيل والكثرة فيه انقسم على قسمين : أمر ونهي ، فالأمر حافظ أثر الوحدة في التنزّل إلى الكثرة ، والنهي حامل على رعايتها - أعني رعاية الوحدة - بالرجوع والعروج من عين الكثرة إلى عين الوحدة ، ولما كان مبنى أمر الكونين على هذين الحكمين - أعني النزول والعروج - ومرجع هذين الحكمين هذان الأصلان ، وهما الوحدة والكثرة وقيام المقصود منهما بهذين القسمين ، وهما الأمر والنهي ، لهذا المعنى كنوا عنهما بالقدمين اللذين يقوم بهما الشخص ، حتى قالوا : إن الكرسي موضع القدمين ، وكان هذا الكرسي الكريم مستوى الاسم الرحيم كما كان العرش المعين تعين الزمان مظهرا لاسم الدهر ومستوى الاسم الرحمن ، فاعلم واللّه المستعان .
فصل
ولمّا ظهر أثر النفس الرحمني بصورة هذا الكون الهبائي القابل للظهور بكل صورة محسوسة بسيطة لطيفة بحيث لا يقبل التجزؤ والتبعّض والخرق والالتئام ، وللظهور أيضا بكل صورة محسوسة مركّبة كثيفة بالنسبة بحيث يقبل التجزئة والتبعيض والكون والفسادة ، وكان محل ما قبل من صوره المحسوسة اللطيفة الغير المتجزئة مجملا أو مفصلا حصة من الحضرة العمائية مسمّاة بعالم المثال ، فظهرت تلك الصورة المتحصّلة منه فيه مجملا بصورة العرش وفلك الأفلاك والبروج والأطلس والمحدّد ومفصّلا بصورة الكرسي وفلك المنازل ، فكان مجمله إجمال التفصيل اللّوحي ومفصله تفصيل هذا الإجمال وانغمر عالم المثال بهذه الصور التي ذكرناها آنفا بقي منه ما يقبل التركيب والكثافة والصور الكثيفة المركّبة التي يمكن تجزئتها وتبعيضها بحكم تركب هذه الأركان وامتزاج بعضها مع بعض ، واشتمال