العرش باعتبار تعيّنه وتحقّقه في حصة من الحضرة العمائية كما بينّا آنفا ، وهي - أعني الحضرة العمائية - كانت مستوى الربّ الشامل حكم ربوبيته جميع الخلق ، وذلك مختصّ بالاسم الرحمن ، كما ورد في الخبر الصحيح ، فلهذا كان هذا العرش مستوى الاسم الرحمن على جميع معاني الاستواء الذي أحدها الاستقرار والتمكّن ، كما يقال : استوى فلان على بعيره : استقرّ وتمكّن .
وثانيها : الاستيلاء كما قيل : قد استوى بشر على العراق ، وثالثها : التمام والبلوغ إلى الغاية ، كما يقال : استوى الرجل ، أي انتهى وتمّ شبابه ، ورابعها :
القصد والتوجّه ، كما قال تعالى :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
[ البقرة : الآية 29 ] أي توجّه وقصد خلقها . وخامسها : الاعتدال كما يقال : استوى الشيء أي اعتدل ، فقوله :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
( 5 ) [ طه : الآية 5 ] ، أي استقرّ أمر الوجود بالتمكّن من إيجاد أجناس صور العالم وأنواعها لتعيّن جواهرها ومادة صورها في هذا الكون الهبائي ، فاستولى به على جميع مراتب مملكته الكائنة فيه بحيث تركّب جواهره كيف شاء ، ويعطي مادته أيّ صورة شاء ومتى شاء وإلى متى شاء ، فإن هذا العرش هو أصل تعيّن صور الزمان بحركته الدورية ، فتمّ ظهور أمر الوجود من حيث أصول مراتب ظهوره التي هي المعنى والروح والصورة وأصل الزمان والمكان ، فبلغ الغاية من حيث هذه الأصول وقصد وتوجّه إلى تركيب الجواهر وتفصيل الصور ، فاعتدل بين كمال الظهور وكمال البطون وبين الإجمال والتفصيل .
وكما أن التعيّن والتجلّي الثاني أول مظهر معنوي إلهي إجمالي لهذا النفس الرحمني الأصلي بحكم الاقتضاء الحبي وتوجّه المفاتيح الإلّية « 1 » ، وأركان هذا التجلّي الثاني وأصوله بما انتشأ منها أوّل مظهر تفصيلي معنوي له ، أتمّ كان القلم الأعلى ثاني مظهر روحاني كوني إجمالي لهذا النفس الرحمني واللّوح المحفوظ مظهره التفصيلي الروحاني الكوني ، فكانت نسبة القلم إلى التجلّي الأول ثم ونسبة اللّوح إلى التعيّن والتجلّي الثاني أقوى ، فكذلك عند تعيّن هذا الكون الهبائي تعيّنت منه الصورة العرشية الإجمالية المثالية ، وفي ضمنه صورته الجسمانية الإجمالية ،
هامش
( 1 ) الإلّية : ربانية ، إلهية . والإلّ : العهد والقرابة والأصل الجيد والربوبية ، وكل اسم آخره إلّ أو إيل فمضاف إلى اللّه تعالى . ( القاموس المحيط ) .