وعالم الغيب والمعاني ، ولكن من حيث تفصيل تلك البرزخية لا من حيث إجمالها ، وهذا الكرسي الكريم هو أصل الجنان ، ووجوهه أصول مراتبها التي هي جنّة الأعمال وجنّة الميراث وجنّة الامتنان ، ودرجاتها صورا ومظاهرا لأصول الأسماء التسعة والتسعين التي يكمل عدد مائتها بالاسم اللّه الجامع لجميعها ؛ كما ورد في الخبر الصحيح : « إن في الجنة مائة درجة ما بين درجة إلى درجة ، كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة ، ومنها تفجر الأنهار الأربعة ، ومن فوقها يكون العرش فإذا سألتم اللّه فاسألوه الفردوس » « 1 » ، فقوله : « ومنها تفجر الأنهار الأربعة » إشارة إلى الأركان المذكورة ، فمن ركن الحرارة تفجر نهر الخمر ، ومن ركن البرودة نهر الماء ، ومن ركن الرطوبة نهر اللبن ، ومن ركن اليبوسة نهر العسل بعد تركّب بعضها من بعض ، فمشرب المقربين منها صرفا ، ومشرب الأبرار المؤمنين مزجا مركبا ، وحيث ظهرت روحانية كل ما قدر ظهوره وكونه في عالم الحسّ والتركيب في ذلك الوجه الإجمالي الذي للكرسي الكريم وتصوّرت بحكم مادة الطبيعة ، وحسب عالم المثال فيه بصورة مثالية كان الكافر والمسلم ، بل الإنسان وغيره في تصوّر روحانيّته في هذا الوجه المذكور صورة المثالية سواء ، فكان للمسلم والكافر عند نزول مادة وجودهما وتصوّر روحانيتهما منزل فيه ، وحيث كان تعين جهنم من تحت مقعد الكرسي وصورة نسبة جسمانية إلى ما نزل ، فحين ما تعيّنت وتميّزت السماوات السبع والأرض وما بينهما لا بدّ من تنزّل مادة وجود المؤمن والكافر وتصوّر روحانيتهما بها إلى أن تظهر بصورته الحسّية التخطيطية في منزل من السماوات والأرض وما بينهما ، فكان لمادة وجود المؤمن والكافر وتصوّر روحانيتهما في كل عالم بحسبه بتلك المادة منزل في الجنّة من ذلك الوجه المذكور ، وللمؤمن والكافر منزل في جهنم من هذا الوجه الذي ذكرنا ، فإذا مات الكافر لم يعرج بروحه من جهنم إلى الجنة لكثافة صورة تركيبه وغلبة حكم جسمانيته على روحانيّته ، فكان منزله فيها معطّلا فيرثه كل من عرج بروحه من جهنم إلى الجنّة ، وغلب حكم روحانيته على حكم طبيعته ، وكان بينه وبين صاحب ذلك المنزل نسبة وقرب ما من حيث صفة محمودة أو حكم دخول تحت
هامش
( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك ، كتاب الإيمان ، حديث رقم ( 267 ) [ 1 / 153 ] ؛ وابن حبان في صحيحه ، ذكر وصف الدرجات للمجاهدين . . . ، حديث رقم ( 4611 ) [ 10 / 470 ] ؛ ورواه غيرهما .