تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
الهباء أصلا مجملا ومعدنا مشتملا على كل وجود فرد وجزء لا يتجزأ التي يتركب جميع الأجسام اللطيفة والكثيفة والصور الطبيعية والعنصرية ، وله أركان أربعة هي : الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة البسيطة لا المركبة ، وهذا الكون الهبائي باعتبار جمعيّته واشتماله على هذه الأركان الأربعة البسيطة صار أول مظهر مجمل لهذا الوجه الرابع اللوحي وأركانه المذكورة البسائط ظلّت مظاهر وجودية للأركان المعنوية المضافة إلى المرتبة الثانية ، وهي : ركن الحياة ، وركن العلم ، وركن الإرادة ، وركن القدرة ، ولهذا تكون الحرارة الغريزية من أخصّ لوازم الحيوان ولا يوصف كمال أثر العلم إلّا ببرد اليقين وثلجه والميلان الذي صورته السيلان من لوازم الرطوبة ، وللقهر الذي من لوازم القدرة كان في اليبوسة جفافة وجساوة ، فكانت هذه الأركان أيضا مظاهر تلك الأركان الروحانية باعتبار غلبة أثر كل ركن من هذه على آثار تلك الأركان الروحانية ، فكان هذا الهباء جملة تفصيل ملكوت كل شيء وأركانه لما تضمّنت من الصور والجواهر والأجزاء التي لا تتجزأ تفصيل ذلك الإجمال . ولمّا كان هذا الكون الهبائي أثرا من النفس الرحمني - كما قلنا - ولكن من حيث جمعيّته بين حكم الوحدة والبساطة المنسوبتين إلى طرف حضرة الوجوب لانتسابه إلى مظهرية اللّوح الغالب عليه حكم تلك الحضرة ، وبين حكم الكثرة والتركيب المختصّة بالحضرة الإمكانية ، أو قل العلمية لتضاعف أحكام التوجّه إلى التنزّل والتلبّس بحكم المظهرية وقابلية الظهور بأكشف صور التركيب وألطفها ، كان له من جهة جمعيّته بين هذين الحكمين ارتباط ومناسبة بالحضرة العمائية ، فكان محل كينونته وتحقّقه أولا حصة من الحضرة العمائية التي نسبتها إلى طرفي الوجوب والإمكان على السواء ، وتلك الحصة المذكورة مسمّاة بمرتبة المثال والخيال المتفصل التي نسبتها إلى غيب عالم الأرواح ومحلية بساطة صورها ، وإلى شهادة عالم الحسّ ومحلية تركيب صورها على السواء . وحيث كان الغالب على الحياة والعلم حكم الوحدة والإجمال لعدم توقّف تحقّقهما على الكثرة والتفصيل ، وكان الغالب على الإرادة والقدرة أثر الكثرة والتفصيل لتوقف تعيّنهما على حكم التميّز والتأثير المؤذنين عن الكثرة ، لا جرم كان الفعل منسوبا إلى مظهري الحياة والعلم من أركان الهباء ، وهما الحرارة والبرودة ، وكان الانفعال مختصّا بمظهري الإرادة والقدرة منها وهما الرطوبة
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 81 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني