وأرغم أنف البين لطف اشتمالها عليّ ، بما يربي على كلّ منية
أرغم أنف البين ، أي : أسخطه حتى كأنه أسقط أنفه في الرغام الذي هو التراب الرقيق من شدّة الغضب ، وهذا كناية عن إعدامه وإيقاعه في معرض الإفناء ، والواو في أول البيت للحال أيضا .
يقول : ولم لا أباهي وأناهي في الافتخار لكمال الحب والقرب حال كون لطف اشتمال حضرة المحبوب على ظاهري وباطني وكلّي وجزئي بالوصل ، وقد أعدم الفرقة وأفنى البين بالكلية بسبب أنها أعطتني من كمال الوصل والاشتمال شيئا يزيد على غاية منيتي وأمنيتي بسراية جمعيتها في ظاهري وباطني وإحاطة عينها بكل ذرّة وقوّة مني بحيث صار كل شيء مني جميع الأشياء .
بها مثل ما أمسيت أصبحت مغرما وما أصبحت فيه من الحسن أمست
بها متعلّق بمغرما ، فالباء حرف تعديته ، والهاء ضمير حضرة المحبوب .
يعني : إن غرامي وحسنه كلاهما غير قابل للزيادة والنقصان .
فإن قلت : لم قدم الإمساء على الإصباح في إضافتهما إلى نفسه ، وبالعكس عند إضافتهما إلى تلك الحضرة ؟
قلت : لأن الأولية مختصّة بتلك الحضرة بلا مشاركة ، والآخرية به بالنسبة إلى ظهور تفصيل كلّيات شؤون تلك الحضرة ؛ كما قيل : الإنسان آخر موجود خلق ، والصباح من الأوليات ، والمساء من الآخريات .
فإن قلت : فلم قدّم ذكر نفسه من كونه مغرما عاشقا على ذكر حضرة المحبوب القائم بها الحسن على أن الحسن مقدّم على العشق ؟
قلت : نعم الحسن مقدّم على العشق في الرتبة ، لكن كون القابل لظهور العشق له ولإدراكه مقدّم على الحسن وظهوره حكما على أن في أوّل المرتبة لا تقديم ولا تأخير ، ولا قبل ولا بعد .
فلو منحت كلّ الورى بعض حسنها خلا « يوسف » ، ما فاتهم بمزيّة
ما فاتهم ، أي : ما فاقهم ، ومنه قول الباخرزي « 1 » :
يا من وفاتي في فوات وصاله * فتّ الحسان فوات قبل فواتكا
هامش
( 1 ) علي بن الحسن بن علي بن أبي الطيب الباخرزي أبو الحسن ، من أهل باخرز من نواحي نيسابور ، توفي سنة 467 هجرية .