مدارك أهل جميع المراتب من مرتبة التفرقة والجمع وجمع الجمع ، فقد جمعت لذلك الشهود أحشائي - أعني حقائقي - وقواي الباطنة من قلب وروح وسرّ وسرّ كل صبابة وعشق ، وتعلق بتلك الحضرة أو بتلك المحاسن والصورة متعيّنة من الأزل إلى الأبد ، وكل حرقة حزن وشوق يخبرك عن كل ميل حاصل ومحبة ظاهرة من كل محبّ إلى كل محبوب من الأزل إلى الأبد لم يكن كلّها مضافة إلّا إليّ ، وجميع المحبّين صور تفصيل ذاتي وأعيانهم وأوصافهم وأحوالهم كلها عين عيني ووصفي وحالي بلا مغايرة وغيرية في ذوقي ومشهدي ، ولي الحمد دائما .
ولم لا أباهي كلّ من يدّعي الهوى بها ، وأناهي في افتخاري بحظوة وقد نلت منها فوق ما كنت راجيا وما لم أكن أمّلت من قرب قربة
البيت الثاني جملة فعلية منصوبة المحل لكونها حالا من جملة يتضمّنها البيت الأول ، والباء في بها في البيت الأول متعلّقة بأباهي ، والضمير عائد إلى حضرة المحبوب ، ومن في : من قرب قربة للبيان .
المعنى
: يقول : ولمّا كان حالي أني نلت من حضرة المحبوب فوق ما كنت أرجوه أو يصل إليه وإلى ما دونه رجائي ، وحصل لي منها ما لم تبلغه أملي وأمنيتي ، وذلك الذي لا يبلغه أملي هو قرب مضاف إلى قربة ، يعني قربا لا يلحقه ولا يضادّه بعد ، بل هو قرب من جميع جهاته لا يقابل جهة منه بعد ، وهذا القرب الذي لا يناقضه بعد هو الثابت في هذه المرتبة الأحدية الجمعية ، ففي هذه الحال التي نلت منها فوق رجائي على ما سألتها في دعائي كل صبيحة أن ينيلني ما لم تبلغه نيتي وأمنيتي ، وهو قرب لا بعد بعده ، يحقّ لي المباهاة والافتخار بمثل هذا الوصل والقرب ، فأقول : « آدم فمن دونه تحت لوائي » « 1 » ، و « لو كان موسى حيّا لما وسعه إلّا اتّباعي » « 2 » ، فلم لا أباهي كل من يدّعي الحب وهو ملكي وما وصل أحد إلى مرتبة منه إلا بتبعيتي ، ولم لا أبلغ إلى نهاية الافتخار بحظوتي بالوصل الذي لا يردّه هجر ، وبالقرب الذي لا يناقضه بعد .
هامش
( 1 ) روى نحوه الترمذي في سننه ، باب ومن سورة بني إسرائيل ، حديث رقم ( 3148 ) [ 5 / 587 ] ؛ ورواه بلفظه أحمد في المسند عن ابن عباس برقم ( 2546 ) [ 1 / 281 ] ؛ ورواه غيرهما .
( 2 ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ، حديث رقم ( 176 ) [ 1 / 199 ] ؛ وأورده ابن حجر في الزهر النضر في أخبار الخضر [ 1 / 87 ] ؛ وأورده غيرهما .