نسيم في ذلك الوقت بغتة ومعه أدنى برودة يكون ذلك ملذّا لهم غاية اللذّة والملاءمة لوروده عليهم على أثر مقاساة شدّة الحرّ ، فكان أحمد أوقات النهار عندهم أوقات الأصائل ، كما أن أحمد أوقات الليل الأسحار لهبوب ريح طيبة دائما فيها ، فإذا هبّوا من النوم وجدوا أثرها ، فيلتذّون في ذلك الوقت أكثر مما التذّوا في غيره ، فيحمدون هذين الوقتين فيما بينهم وفي أشعارهم ، ولما ذكر في البيت السابق لذّته في جميع أوقاته جاء يراعي في هذين البيتين قاعدة كلامهم مادحا هذين الوقتين في أثناء ذكر التلذّذ بأوقات وصاله .
ولمّا كان النهار صورة الظهر الأصلي ، والليل صورة البطون الأصلي ، وكان توجّهات صاحب مقام أحدية الجمع دائما إلى حضرة غيب الغيب لطلب مزيد العلم الموجب لثلج الصدور وبرد اليقين المأمور به بقوله :
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
[ طه :
الآية 114 ] ، متضمّنة وحاملة مع الأنفاس حكم « التحيات المباركات الصلوات الطيّبات للّه » كان ردّ هذه التحية المتضمّنة طلب مزيد العلم اليقيني إنما يكون بتجلّيات واردة من غيب الغيب إلى مبدأ مراتب الظهور الذي صورته أوّل النهار حاملة برد نسمات اليقين ، وحاصل فيها ثلج الصدر وروح القلب وراحة الروح ولذّة النفس ، فلم يكن لظهور تلك التجلّيات في عالم الشهادة محلّا مناسبا إلا أوائل النهار بحكم المناسبة المذكورة ، وحينئذ يتأثر أوائل النهار من أثر ذلك النسيم وبرده ، ويظلّ جميع النهار أصيلا من أثر ذلك النسيم البارد الكريم ؛ فلهذا قال : إذا تنسّمت أوائل النهار ، أي تأثرت من برد نسم ردّ تحيّتي ولذّتها لي يكون جميع نهاري أصيلا منصبغا بحكم اللذّة العظيمة والراحة العميمة ، وقد تنسّمت فصار نهاري أصيلا كلّه .
وليلي فيها كلّه سحر ، إذا سرى لي منها فيه عرف نسيمة
يقول : وإذا سرى من غيب الغيب أثر تجلّ شريف يتضمن معنى لطيفا من أثر نسيم خفيّ الهبوب من أثر خطاب أو جواب سؤال مستطاب استنشق منه روائح اللّطف والتربية والقبول الكرامة ، فجميع ليلي مثل السحر في وجدان اللذّة والطيبة والروح والراحة من نسيمة ، لتأثر المحلّ بما تأثر به الحال ، وقد سرى فصار ليلي كلّه سحرا .