ولا سعت الأيّام في شتّ شملنا ، ولا حكمت فينا اللّيالي بجفوة
في شتّ شملنا ، أي تفريق جمعنا .
يعني
: وحيث كنّا في ظلّ جناح هذه الحضرة الأحدية الجمعية بحيث ظللنا ، كما قال ابن هانىء :
تستّرت عن دهري بظلّ جناحه * فعيني ترى دهري وليس تراني
فلو تسأل الأيام ما اسمي ما درت * وأين مكاني ما درين مكاني
فلم تكن الأيام المغيّرة لأحوال الأنام تسعى في تفريق جمعنا ، فإنها لا تدري بنا أصلا ولا بحال جمعيتنا ولا بمقاماتنا حتى تسعى في تغيير حالنا وشتّ شملنا ، وإن كانت تدري أو تسعى ، فكيف يظهر أثر حكم الأدنى وسعيه في الأعلى الذي ما فوق علوّه علا أصلا ، وكذا الليالي التي لا تزال بالجفاء والحوادث حبلى تلد ولد الحكم بجفاء التغيير والتكدير والتنغيص بالنسبة إلى عموم الخلق لا تقدر أن تحكم فينا أصلا ، لما ذكرنا من علّة عدم إمكان تمكّن الأدنى من التصرّف في الأعلى ، ولا المحكوم في الحاكم ولا الجاهل .
ولا صبّحتنا النائبات بنبوة ، ولا حدّثتنا الحادثات بنكبة
النائبات : ما يتناوب على الإنسان مما يزعجه من مقر أمنه وراحته ، والنبوّة :
أصله الارتفاع ، ويستعمل فيما يرتفع على الإنسان مما يرده عن حالة محمودة إلى حالة مذمومة ، والنكبة : ما ينكبه عن سنن العدالة والخير والسعادة .
يقول : وحيث كنّا في ظلّ ذلك الجناح مستورين عن نظر الأغيار لم يأتنا نائبة صباحا ما يزعجنا عن مقرّ لذّتنا وراحتنا بالوصل الحقيقي ، ولم تحدّثنا واقعة حادثة بنزول ما يحرقنا عن سنن اعتدال الحال ، وفراغ البال في مأمن الوصال .
ولا شنّع الواشي بصدّ وهجرة ولا أرجف اللّاحي ببين وسلوة
يعني
: حيث كنّا في مقرّ حقيقة الوحدة وأحدية الجمع الذي لا يسع الغير والغيرية ، والواشي : المشنّع الذي يمنع المحبوب وصاله للمحب ، واللاحي :
المرجف خبر سلوة المحبّ عن المحبوب ومفارقته حبّه متّسمان بسمة الغيرية والوصفية بالنسبة إلينا وإليهما في ظاهر التفرقة ، فلا يمكن تطرّقهما إلينا وتشنيعهما علينا في باطن الجمع .