من خصائص من يتظاهر بالكبرياء ، والمسجد الأقصى هو كحدقة عين بيت المقدس ونقطة دائرة كماليّته وروحانيته ، وبيت المقدس هو كعين لروحانية جميع الأرض ، فإن لكل شيء روحانية باطنة في صورته حتى كل جزء وذرّة من الأرض وغيرها ، والإشارة إلى ذلك قوله تعالى :
فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ
[ يس : الآية 83 ] ، يعني : روحانيته وروحانية أرض بيت المقدس أرفع وأعلى من روحانية غيره من الأرض ، وأغلب من حيث نفس الروحانية وأظهر أثرا وحكما .
وأما روحانية مكّة ، فهي أجمع للكمال الحقيقي المختصّ بالجمعية وأعدل في جمعيّتها بين جمع الأوصاف والكمالات الروحانية والجسمانية ، وأعلى من حيث تلك الجمعية والعدالة ، فكانت أرض مكّة قلب جميع الأرض ومجمع جميع كمالاتها الروحانية وأغلب وأظهر حكما وأثرا ظهر أثرا ذلك من جهة اسمه بأنه سمّيت أرضه أرض المقدس وبيت المقدس لغلبة حكم قدس الروحانية عليها ، وسمّى ذلك الموضع المعين منه المسجد الأقصى ، أي : الأبعد عن أحكام الجسمانية حتى أنه قلّما يدخله ، ولم يجد في نفسه بسطا وروحا ونزاهة نفس عن الميل إلى الألوان الطبيعية ، وكان للروحانية كبرياء على الجسمانية أبدا لعلوّ درجتها وكبر قدرها ؛ لا جرم كانت الهيئة الخصيصة بوصف الكبرياء وهي جرّ أذيال الرداء مختصّة بالمسجد الأقصى إذا ظهر للمكاشف ، وكان الوصف بتلك الهيئة لائقة به ، فعلى هذا يقول :
كان قبل هذا لا يظهر موضع من الأرض في نظري بوصف الكبرياء إلّا المسجد الأقصى وبيت المقدس ، والآن كل موضع رأيت فيه أحدا يتبختر بوصف كمال وجدته جمعها ، فذلك الموضع الذي أراه مسحب بردها هو عين مسجدي مقام أحدية جمعها ، فذلك الموضع الذي أراه مسحب بردها هو عين مسجدي الأقصى غير مقيّد بمكان معيّن وموضع مخصوص ، وقوله : وطيبي ثرى أرض عليها تمشّت ، يعني : كل أرض ترابها تندّى بندى أثر قدم تلك الحضرة المحبوبية إذا تمشّت عليها ، أعني كما كان تراب المدينة تطيّب بطيب موطىء الحضرة المحمدية صلّى اللّه عليه وسلّم ، حتى سمّيت أرضها طيبة ، لذلك ظهرت عليّ متمشية في مظهر من مظاهرها ، ومن حيث صورة شؤونها وتنوّعات ظهورها وتعيّنات نورها ، فتلك الأرض هي عين طيبة المدينة عندي لا أرض يثرب بعينها ، فهذه الأمكنة والأزمنة التي كنت أرى قبل هذا التجلّي الأحدي الجمعي كل واحد منها موصوفا بفضيلة