هذه أراه عين جمال حضرة المحبوب الحقيقي منفيّا عنه حكم الغيريّة كعين صاحب اليرقان « 1 » التي ترى مرئيّاتها مصفرّة لتأثّرها من المادة الصفراوية ، فإذا رأيت منظرا ضمّه مكان رأيته عين تلك الحضرة من حيث أحدية جمعيتها قد ضمّها ذلك المكان بعينه ، فأرى ذلك المكان حرما من حيث إنه ضمّ مظهر جمعية تلك الحضرة ، كما أن الحرم يضم مظهر جمعيّتها الذي هو عين الكعبة المعظّمة ، وكذا أرى كل دار أوطنها شخص ما ونظرت في ذلك الشخص بعين منصبغة بنور هذه الحضرة الأحدية الجمعية وحكمها رأيت عين ذلك الشخص عيني وحقيقتي التي هي الصورة المحمدية ، وتلك الدار والقرية التي أوطنها ذلك الشخص عين يثرب وطيبة التي هي دار هجرة الحضرة المحمدية ، ولتلك الدار والقرية فضائل وخواص كخواص دار الهجرة من تضاعف نتائج الأعمال فيها وغير ذلك .
وما سكنته فهو بيت مقدّس ، بقرّة عيني فيه ، أحشاي قرّت
يقول : بناء على تقرير ما سبق في البيت السابق أي موضع أراه مسكن من أحد مظهر تلك الحضرة من حيث نظري من هذه الحضرة الأحدية الجمعيّة ، فهو عين البيت المقدس الذي كان سبب جمعية خاطري وسكون قلبي قبل ذلك ، والآن سكنت أحشاي ، أعني قواي الباطنة مثل الخاطر والهمّة والقلب ونحوها بسبب ظهور قرّة عيني ، أعني الحضرة المحبوبية لي في ذلك المسكن ، فكانت الأمكنة مثل مكّة والحرمين وبيت المقدس والمسجد الأقصى بالنسبة إلى غيري مواضع معيّنة مقيّدة بجهات مخصوصة . وأمّا بالنسبة إلى كل ما جمعني وإيّاها من حيث مظهرها الذي أراه بعيني المنصبغة بحكم هذه الحضرة الأحدية الجمعية ، فهو مكّة والحرمان والقدس والأقصى وطيبة غير محصور ولا مقيّد ، وكذلك حكم الأزمنة على هذا النحو ، فاعلم ذلك .
ومسجدي الأقصى مساحب بردها وطيبي ثرى أرض ، عليها تمشّت
قوله : مساحب بردها ، يعني : مواضع جرّ أذيال ردائها ، وقوله : وطيبي ، يعني : وطيبتي وهي اسم المدينة مؤنث لفظها ذكرها لضرورة الشعر ، وإنما خصّ المسجد الأقصى بكونه مسحب رداء الحضرة المحبوبية ؛ لأن سحب الذيل والرداء
هامش
( 1 ) اليرقان : دود يكون في الزرع ثم ينسلخ فيصير فراشا . ( لسان العرب ) .