فأرواحهم تصبوا لمعنى جمالها ، وأحداقهم من حسنها في حديقة
يقول : لمّا أظهرت تلك الحضرة المحبوبية تلك الذرّات وألبستهم لباس الحياة بواسطة تعلق أرواحهم بها وتجلّت لهم بحسنها وجمالها الكامل تسارعت أرواحهم نحو الميل والصبوة والنزوع إلى معنى جمالها وإدراكه والحظوة به والسرور والفرح والروح بشهوده ، وأحداقهم أصبحت في حديقة حسنها تقطف ثمار الأنس وتجني أزهار أنوار القدس ، هذا إخبار عن حال سائر أهل القبيلة الإنسانية بأن كان عيدهم الأكمل ويوم سرورهم الأعم الأشمل ، ذلك اليوم المعين المخصوص الذي سلف ومضى وانقطع . وأمّا حالي ومقتضى مقامي الأحدي الجمعي فنوع وطرز آخر غير مخصوص بيوم معيّن ، ولا بزمان مقيّد على ما سأذكره عن قريب إن شاء اللّه تعالى .
تنبيه :
اعلم أن تحقيق ما يأتي من الأبيات محتاج إلى تقديم مقدمتين :
الأولى : إن المراتب أمور معنوية ثابتة في حضرة العلم الأزلي كباقي المعاني ، إلّا أن بعض المعاني التابعة متعلقة بهذه المعاني المسمّاة بالمراتب داخلة في حيطتها ، بحيث تكون في جميع أحوالها محكومة لها ، ولو قدر ظهورها بالوجود العيني يكون ظهورها بحسب مقتضيات هذه المراتب وبحكمها ، وهي كالمحال المعنوية لما كان تحت حيطتها ، فكلّيات هذه المراتب خمس ، اثنتان منها منسوبتان إلى الحقّ في ظهوره لنفسه إحداهما منسوب إليه في ظهوره مجملا مندرجا فيه تفصيله ، والثانية منسوبة إليه في ظهوره مفصّلا لنفسه مندرجا فيه إجماله .
وأما الثلاث الكونية ، فأوّلها مرتبة : الأرواح ، وثانيها : المثال ، وثالثها : مرتبة الحسّ .
فأمّا مرتبة الحسّ : لما كان محلّا وظرفا للمحسوسات ، فلم تستغن عن مظهر مناسب لما تحويه وتحلّ فيه ، ولما كانت مظروفات مرتبة الحسّ المذكورة نوعان ، أحدهما : أجسام ، وثانيهما : أعراض صار لهذا المعنى - أعني لمرتبة الحس - مظهران ، أحدهما : زمان ، والآخر : مكان ، فنسبة الزمان إلى الأعراض أتمّ ، ونسبة المكان إلى الأجسام أقوى ، فصار هذان المظهران طرفين لجميع المحسوسات لا