تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
الوجودية على نحو ما قرّرنا آنفا في البيت المتقدم ، ونزيد في قوله : « لا يرى غير صبوة » إيضاحا يعني : كل ما يبدو من كل شيء من أثر وجودي لا بدّ وأن يكون له مبدأ باعث ونهاية ينتهي إليها ، فالمبدأ الباعث هو عين الحبّ أو أثره ، والنهاية هو المحبوب ، ولا يخلو شيء من ذلك قولا أو فعلا أو خاطرا أو حركة أو سكنة أو غير ذلك ؛ فلهذا لا يرى غير صبّ بها لا يرى غير صبوة ، لأنه لا وجود إلّا لتلك الحضرة . وجه آخر : لا ترى شيئا إلّا مائلا إلى نفسه وحياتها وبقائها ونفسه ما هي إلّا وجود متعيّن ، ولا يضاف الحياة والبقاء إلّا إلى الوجود ، ولا وجود بالأصالة إلّا لتلك الحضرة ، وكل وجود متعيّن هو فرع لذلك الأصل وشعاع منه وتفصيل له ، فلا تتعلّق كل محبّة لكل نفس إلّا إلى تلك الحضرة بالأصالة ، وإلى فرعه بالتبعية ، فلا ترى غير صبّ بها لا يعتقد غير الحبّ لنفسه الذي هو حبّ لتلك الحضرة بالأصالة .
إذا سفرت في يوم عيد تزاحمت عى حسنها أبصار كلّ قبيلة يقول : إن ظهور أثر تجمّع جميع الأهواء في تلك الحضرة بالنسبة إلى فهم المحجوبين الأغيار من بعض الوجوه إنما كان عند سفور وجهها الكريم في مظهر مثالي يوم العيد الذي كنّت به عن يوم أخذ ميثاق
أَ لَسْتُ
[ الأعراف : الآية 172 ] بمناسبة اجتماع الناس فيه بوصف سرور وبهجة حين أظهرت الذرّات الترابية التي كل ذرّة منها كانت أصل تكون صورة شخص من بني آدم من ظهر آدم عليه السلام ، بعد تكوّن صورته ومعناه وتعلّقت أرواحها الثابتة في اللّوح المحفوظ بصورها الذرّية ، وحينئذ عرضت - أعني حضرة المحبوب - حسنها الكامل وجمالها الشامل على هذه الذرّات التي كانت مبدأ انتشاء القبيلة الإنسانية ، فتزاحمت أبصارها المناسبة لتلك النشأة الذرية على إدراك صور حسنها وأرواحهم على معنى ذاك الجمال وإسماعهم أيضا المناسبة لتلك النشأة الذرّية تزاحمت على سماع خطاب
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
[ الأعراف : الآية 172 ] ، وألسنتهم المناسبة لتلك النشأة الذرية تبادرت على جواب بلى .