تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤

يعني

: إن جميع الكائنات والموجودات على اختلاف أجناسها وأنواعها وأصنافها التي هي مثل القبائل في عالم الإنسان كل موجود له حياة فطرية واصلة إليه في ضمن الوجود المضاف إليه المفاض ، فكان حيّا بتلك الحياة وله ميل طبيعي ذاتي إلى كمال يخصّه ووجد لإظهاره ، وذلك الميل أثر من الحب الساري فيه بحكم « فأحببت أن أعرف » ، وذلك الأثر الحبي دائما عامل فيه ومقلبه في أطواره شاء أم أبى ، ويتصرّف فيه كتصرّف الغسال في الميت وهو معنى قوله : كل حي كميت بها ، أي في حبّها وتصريفه إياه في كل حي ، أي في كل قبيلة من قبائل الموجودات ، وقوله : عند قتل الهوى خير ميتة ، يعني أن لذلك الحيّ بالحياة الفطرية علما فطريّا هو المعني بقوله تعالى :
كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
[ النّور : الآية 41 ] يعتقد بذلك العلم الفطري أن الحبّ في أثناء ميله إلى مركزه وكماله إذا ألبسه لباس صورة أخرى غير لباسه الذاتي له سواء كان لباسا صوريا أو معنويّا ، فكان كمقتول مقطوع عنه حياته المختصّة بلباس صورته الأولى وإحيائه إيّاه بحياة أخرى في نشأة أخرى ، كان ذلك القتل خير ميتة له عن حياته الأولى ؛ لعلمه الفطري بأن الحب لم ينقله من نشأة إلى نشأة إلّا لحكمة كاملة ورحمة شاملة يتضمّن كمالا أعلى وأكمل من كمال كان متوجّها إليه في لباس صورته الأولى بموجب قوله تعالى :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها
[ البقرة : الآية 106 ] ، فبهذا الإحساس الفطري يعتقد أن قتله من صورته الأولى خير ميتة له ، وإذا كان حال عموم الخلق كذلك ، فأنى تجزع نفسي بإتلاف الحب إياها ، بل تتحمّل لذلك منّة عظيمة ، ويرى ذلك نعمة عميمة .
تجمّعت الأهواء فيها ، فما ترى بها غير صبّ ، لا يرى غير صبوة الصبّ : هو الذي تسيل نفسه نحو الشيء حبّا له ، والصبوة : النزوع والاشتياق الشديد إلى الشيء . يقول : لمّا كان حضرة المحبوب الحقيقي مجمع كل حسن وجمال ، ومنشأهما وأصلهما ، وهما المهيّجان للحب والشوق والصبابة والصبوة ، تجمّعت جميع الأهواء في حضرتها ، فما ترى بالرؤية الحقيقيّة أو الحسّية عينا أو شيئا إلّا عاشقا لها ، وذا صبابة إليها لا يعتقد ولا يدري إلّا الصبوة والشوق والاشتياق أوّلها تلك الحضرة العاشقة لذاتها بحكم « فأحببت » ، وآخرها أنا وما بيننا جميع التعيّنات
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 454 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني