تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
أموت ، وكأن رضائي بالموت مقرونا بما فيه رضاك ، وهذا الرضا ما هو من مقتضى حالي واختياري ههنا ، فإنّ حالي أرفع من مقام الرضا ، لكن هو من مقتضى الصبابة والعشق وتطويري في أطوار البداية في هذه السفرة الرابعة . قلت : إنه لم يرد بالموت هنا مفارقة هذه الحياة الطبيعية الحيوانية فحسب ، بل يريد مفارقة كل حياة متعلقة بكل مرتبة ، حتى عن الحياة والبقاء المتعلق باسم الحيّ ، واسم الباقي الثابتين في مرتبة جمع الجمع وما دونه من المراتب الحقية والخلقية المقيدين بها بحكم مخصوص وأثر تميّز بينهما وبين ما يضاد حكمهما من أثر اسمي المميت والمنتقم ووصفيهما ، فاعلم ذلك .
ونفسي لم تجزع ، بإتلافها أسّى ، ولو جزعت كانت بغيري تأسّت يقال : تأسّيت به ، أي اتبعته ، وأسى : حزنا منصوب على المفعول له ، والمصدر في إتلافها مضاف إلى المفعول ، وفاعله الصبابة المذكورة في البيت الذي قبله . يقول مشيرا إلى نفي معني بيت فيما تقدم ، وهو قوله : ولم أحك في حبيك حالي تبرّما بها لاضطراب ، بل لتنفيس كربتي ، يعني أن نفسي إذا أتلفها الحبّ بالآلام والأسقام والبلاء والعناء لم يجزع في ذلك لا عندك ولا عند غيرك على نحو ما جزعت عندك في أول طور الحبّ حال البداية متأسّية بي حال غلبة أحكام الطبيعة البشرية عليّ ، بل والحالة هذه حيث غلبت أحكام مقام أحدية الجمع عليّ لو جزعت كانت متأسّية بغيري وما ثم غيري في نظري تتأسّى نفسي وتتبع إياه في ذلك ، فلم تجزع أصلا ، وكيف تجزع نفسي وأنا متحقّق بهذا المقام الأعلى ! وعموم الخلق من الفسّاق النازلين عن درجتي بكثير لا يدخل التفاوت بيننا في حدّ وحصر قد رضوا بالموت في الحبّ ، بل قتل الهوى إيّاهم خير ميتة عندهم ، فكيف تجزع نفسي عن الموت في الحبّ بك ؟ تحسبه وتعدّه خير حياة كما يحسب غيرها خير ميتة .
وفي كلّ حيّ كلّ حيّ كميّت بها ، عنده قتل الهوى خير موتة

تقدير البيت

: وكل موصوف بصفة الحياة هو كميّت في حب الحضرة المحبوبية في كل قبيلة من قبائل الموصوفين بالحياة الفطرية معتقدة أنه إذا قتله الحبّ مات خير ميتة .