فقال :
ويا جسدي المضنى تسلّ عن الشّفا ، ويا كبدي ، من لي بأن تتفتّتي
خاطب في المصراع الأول ظاهره بأن يتهيّأ للموت ، ويتسلّى عن الشفاء وعن الرجوع إلى حالته الأولى الناقصة لئلا يحرم عن حقيقة الكمال ، واشتمال كل ذرة منه على كلّه ، وفي المصراع الثاني خاطب الرئيس من أعضاء باطنه بأني راض بتفتّتك ، فمن يوصلني إلى ذلك حتى يزول عنك النقصان وتتهيّأ للكمال .
قلت : ولمّا حمل ظاهره وباطنه على التسليم والانقياد لأحكام الحبّ عاد إلى خطاب البلايا والأسقام أن اعملوا وتصرّفوا فيّ بالإفناء والإعدام ، فقال :
ويا سقمي لا تبق لي رمقا ، فقد أبيت ، لبقيا العزّ ، ذلّ البقيّة
خاطب بلاء السقم الصوري والمعنوي أن تسلّط على نفسي ولا تبق منها بقيّة تكون محلّا لتلك النقائص من أحكام الجزئية والغيرية والأوصاف الاختصاصية ، وعلّل أمره إيّاه بعدم الإبقاء رمقا ، أي بقية من النفس ، وقال : إني أبيت عن قيام ذلّ البقية من نفسي بي لمحلّيتها لتلك النقائص الموجبة لمذلّتي لأجل تطلّعي إلى العزّ الأبقى الأكمل الأشمل ، وهو اشتمال كل ذرّة مني على جميع أنواع موجبات الكمالات .
قلت : ولما خاطب محال البلاء وحملها على الثبات والانقياد والتحمل ، ثم خاطب البلاء بالتصرّف فيها رجع إلى خطاب البقايا من الصفات والآثار الخفيّة التي يصلح أن يكون محلّا لتلك النقائص ، فقال :
ويا صحّتي ، ما كان من صحبتي انقضى ووصلك في الأحياء ميتا كهجرة
يقول : لما غلب حكم السقم عليّ وأشفاني على الموت بحيث ظللت معدودا في الموتى ، حينئذ لم يبق لك أيتها الصحة إلى صحبتي مساغ ولا مجال ؛ لأنه انقضى ما كان حاملا ومحلّا لك من صحبتي ، وهي الحياة ، وحينئذ كان وصلك ميتا واقعا بين الأحياء مثل الهجر والفراق سواء في عدم الفائدة وانتفاء العائدة .
قلت : ولما خاطب الخفي من صفاته رجع إلى خطاب الأخفى حسّا ، وهو ما أبقى منه الضّنا ، وذلك في هذا البيت الآتي ثم في الذي يليه إلى ما كان أخفى