والخصوصية والغيرية والضدّية عليها بتسليط نيران الحبّ المذكور المؤثر والواصل لهبها إلى جميع أجزاء باطنها ، اعتبارا بأن اعوجاج العظام الصلبة لا يزول إلّا بتسليط النار عليها لتستوي ، فكذلك القوى الباطنة المعوجة بغلبة هذه النقائص عليها وتغليظ صلابتها بتلك الغلبة إنما تستوي بنار الشوق والعشق الداخلة في باطن الباطن ، فأمرها إعلاما برضاها بعملها في ظاهره وباطنه لإزالة اعوجاج قواه جميعها وتسويتها بتلك الإزالة .
قلت : وفي هذه التسوية يحتاج إلى حسن الصبر ، يقال :
ويا حسن صبري ، في رضى من أحبّها تجمّل ، وكن للدّهر بي غير مشمّت
حسن الصبر وجماله في نزول البلاء عبارة عن اللّياذ بحضرة المبلي إظهار عجزه وتذلّله وعدم مقاومته مع بطشه وسطوته مع إظهار القوّة والتجلّد للأغيار ، فيخاطب حسن صبره لا يظهر جماله في رضى محبوبه عندما سلّط عليه من بلاء الشوق وعناء العشق ، لئلا تبدو منه بادرة شكاية يحسّ بها العالم وأهله ، فيظهرون الشماتة في ذلك ، وقال : لأنهم أعدائي لعدم نسبة ورابطة وملاءمة بيني وبينهم بحكم المباينة والمخالفة في الطلب والمطلب ، وليس البغض والعداوة إلا عدم المناسبة والملاءمة ، وهو المراد بقوله : وكن للدهر بي غير مشمّت .
قلت : ولما كان المرء في رعاية حسن الصبر محتاجا إلى قوّة وطاقة يتحمّل بها أثقال البلاء والعناء ، فقال :
ويا جلدي ، في جنب طاعة حبّها تحمّل ، عداك الكلّ ، كلّ عظيمة
يقول : ويا قوّتي وطاقتي تحمّل كل بليّة عظيمة في جنب طاعة حب حضرة المحبوب وما تقتضيها من الآلام والأسقام والعناء والفناء لإزالة آثار تلك الآمال وأحكام الجزئية والخصوصية والغيرية والضدّية عني وعن كل قوة وذرّة مني عداك الكل . يا جلدي ، أي : جاوز اللّه بالكلال والضعف عنك إلى غيرك وقواك على ما تتحمّله من الثقل .
قلت : ولما أظهر حسن الصبر وقوّة تحمل البلاء والتجلّد والثبات أخذ يخاطب أصناف البلاء بأن يتصرّفوا في ظاهره وباطنه بعد خطابه ظاهره وباطنه وحملها على الثبات والانقياد لأحكام الحب حتى يزول عنهما جميع النقائص ،