تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
المدح راجعا إلى وجودي وحقيقتي ، بل ذلك الوصف الذي تمدح به هو وصفي في الحقيقة ، وقد أجاد المترجم فيما قال : وإن لم يعرف ما قال فإنه عين هذا المعنى ، وهو قوله : وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني ، ونحن وأمثالنا نقول لعين من الأعيان أو شيء من الأشياء أنت الذي نعني ؛ لئلّا يكون أحد من المدّاحين منسوبا إليه الكذب أصلا . والوجه الثاني : أن المدح ذكر الشيء بوصف كمالي محمود لدى السامع ، وكان الذكر على نوعين : ذكر بالفعل وذكر بالقول ، أعني إظهار ذلك الوصف عند غيره إمّا من جهة الفعل ، أو من جهة القول ، والأول أتمّ وأكمل من الثاني لإمكان تطرّق الخلاف والكذب إلى الثاني من كونه خيرا دون الأول ، ومثال ذلك أن إنسانا يذكر إنسانا بلسانه عند إنسان آخر بوصف الجود وغيره يذكره بفعله عند السامع بأن يخرج من بيت المذكور وخزانته أصناف النعم والرغائب ويجود بها على الحاضر السامع ، فكان هذا الذكر بالفعل أوقع في قلب الحاضر السامع وأبلغ من ذكر الذاكر باللّسان بحكم ليس الخبر كالعيان ، فكان علم كل عالم ونطق كل ناطق ذكرا بالفعل ومدحا لواهبهما ، وحيث كان موهبة النطق والعلم لا يصدر إلّا من حضرتي ووجودي ، فلم ينطق كل ناطق إلّا بمدحتي .
ولا غرو أن سدت الألى سبقوا ، وقد تمسّكت ، من طه بأوثق عروة طه قيل : إنه اسم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتحقيق ذلك أن حرف الطاء منبىء عن التخلّص عن جميع الغواشي والاعتلاقات الحاصلة بالظهور لكمال الصور في تنزّل الأمر العليّ ، وعن تقدّس كامل عما تتعلق به الأوهام من وقع ظهور الحياة الذي من ذلك التخلّص والتقدّس اسمه الظاهر والطيب ، وحرف الهاء منبئة عن الإحاطة القيمة بغيب كل ظاهر منها اسم هو الذي هو باطن جميع الأسماء الظاهرة ، ومحيط بها جميعها ، ولما كان صلّى اللّه عليه وسلّم مخلصا عن جميع العلائق الحاجبة بينه وبين ربّه ومقدّسا عمّا تتعلق به الأوهام من جهة ظهوره بالصورة والصفة البشرية القائمة بالحياة الظاهرة ، وأن كل ما يقوم من الأوصاف المستقذرة بالصورة البشرية كالحدث ونجاسة الدم والبول وبالنفس من الآمال والأماني والميل إلى الشهوات الطبيعية من جهة الطبيعة ونحو ذلك كان قائما بصورته المطهّرة ونفسه المقدّسة ظاهرا بوصف الطهارة والطيب وخلوص الميل إلى محبوبه الحقيقي ومطلوبه الأصلي ، فكان حرف الطاء من هذا الاسم العليّ مخبر عن هذا التخلّص والتقدّس
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 443 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني