تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
السماوات والأركان والمولدات جميعها مفصلا ، ثم تنزلت إلى المرتبة الإنسانية وعرفت من حيث صورها وجمعها وتفصيلها الظاهرة بوصف الغيرية بالنسبة إلى مفهوم عمومها ، وبوصف العينية بالنسبة إلى فهم أهل الخصوص إلى أن تنزلت مترقّيا وعرفت وتعرّفت وعرّفت الأمر على ما هو عليه من حيث هذه الصورة المحمدية ، وكمل بها نزولي الذي كان عين العروج كما أخبر بعض التراجمة عن حالي على نحو ما جرى بقوله : « تخيّرك اللّه من آدم ، فما زلت منحدرا ترتقي » ، فكان مقام قاب قوسين مقام ورتبة فوق رتبة ما يشار إليه بفهم الروح من الأسماء والصفات وتميّزاتها واختصاصاتها الثابتة في تفصيل مقام قاب قوسين ، وهو الحضرة العمائية وحضرة الوجوب منها ، ولا ترقّي لأحد غيري فوق هذا المقام الذي هو قاب قوسين ، وهو موضع وضع أول خطوتي صعودا ونزولا كما بينّا قوله ما بعد الإشارة فيه ذكر المصدر وإرادة المفعول ، وما فيه موصوله .
فما عالم إلا بفضلي عالم ولا ناطق في الكون إلّا بمدحتي يشير بهذا البيت إلى معنى آيتين من الكلام العزيز بلسان الجمع ، أحدهما قوله تعالى :
كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
[ النّور : الآية 41 ] ، وثانيهما قوله :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
[ الإسراء : الآية 44 ] .

يعني

: لما علمت بما سبق من التقرير في البيت السابق أن الوجود بالأصالة ليس إلّا لي ، وكل ما يضاف منه إلى جميع العالمين إنما هو أشعة وفروع منه ، وأن الوجود المطلق هو عين العلم في المرتبة الأولى ، والعلم لازمه وعديله في المرتبة الثانية ، فلم يلتمع من الوجود شعاع ولا يفيض من عينه فيض مضاف إلى شيء من العالم إلّا ومعه حصّة من العلم لازمة له ، وتلك الحصة من العلم اللازم لوجود كل موجود إنما هو العلم الفطري ، وفطرة اللّه التي يولد كل مولود عليها ، وكما أن أصل الموجود يلازمه العلم بأنه أصل وجود كل موجود ، فكذلك ينبغي أن يكون العلم الفطري ملازما لكل وجود مضاف إلى لكل موجود متفرّع من ذلك الأصل بأنه فرع لأصل له فضيلة الأصالة عليه ، لهذا قال : « فما عالم إلا بفضلي عالم » ، وقوله : « ولا ناطق في الكون إلا بمدحتي » تقريره من وجهين : الوجه الأول : أنه لما ذكرنا أن جميع الموجودات مظاهر وجودي وحقيقتي ، بل تعيّنات نوري وتنوّعات ظهوري ، فكلّ من نطق بمدح شيء كان ما كان ذلك