إلّا من حيثية الخلقية والاطّلاع عليها متوقّف على اطّلاع من اطّلع عليها بنظر خلقيته ، فلا يكتفي بالبيّنة الحقية التي للمجذوب ، فكان محتاجا إلى المرشد . ثم إن المجذوب السالك هو في درجة المحبوبية ابتداء وانتهاء ، والسالك المجذوب هو في درجة المحبية ابتداء ، وفي درجة المحبوبية انتهاء .
ولمّا كان النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم محبوبا ابتداء وانتهاء أخبر اللّه تعالى في كتابه العزيز عن سيره أولا من حيث باطنه وروحه بشرح صدره واسطة بلا سلوك وسير منه ، ولكن مع يسير عسر ناله في ذلك بسبب محو أثر الخلقية عن روحه المقدّسة وعن خلقه المتضمّن ذلك اليسير من العسر يسر إثبات وصف الحقيّة فيه حتى صار خلقه بذلك عظيما .
ثم أخبر عن سيره ثانيا من حيث ظاهره ونفسه ووضع وزر الطبع والجبلة البشرية الذي يكسر سورة كمال قابلية ظهور كماله وقوّة استعداد كمال ظهوره واستظهاره بذلك الاستعداد عن نفسه ، ويتضمّن ذلك الوضع أيضا عن نفسه أدنى عسر مسّه بسبب رفع الحدث عن أوصاف نفسه المستلزم ذلك العسر اليسير يسرا كثيرا من إضافة أحكام القدم إليها نحو قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ
[ الفتح : الآية 10 ] .
ثم أخبر عن سيره ثالثا من حيث جمعيّته إلى حضرة جمع الجمع ، أعني الجمع بين التجليّين الظاهري والباطني ، ورفع ذكره فوق ذكر جميع خلقه بلا مشقّة وعسر ناله في ذلك .
ثم أخبر عن أمره تعالى وتقدّس إيّاه صلوات اللّه وسلامه عليه ، أنه حين ألقى عصا سيره عند ارتفاع ذكره من هذه الأسفار الثلاثة أن يتحمّل مرة أخرى نصب سفر رابع مبدأ هذا المقام الذي نزل فيه ، أعني جمع الجمع وقاب قوسين ومقام الكمال ، وأن يرجع عنه ثانيا عن التفاته إلى رفع ذكره الحاصل له في هذا المقام وعن نظره إلى كل كمال وتمكين يختصّ به وإلى الاتّصاف بكل وصف إلهي كامل كلّي ، وعن رؤية أثر الغيرية والضدّية الثابتة في هذا المقام متوجّها إلى السفر والسير إلى ربّه الذي هو منتهى الكلّ ومرجع الجميع وإلى حضرته ومرتبته التي لا أعلى منها ولا أكمل ، حيث لا غيرية فيها ولا ضدّية أصلا ورأسا ؛ لا جرم قال تعالى مخاطبا إيّاه صلّى اللّه عليه وسلّم على طريق التذكير والامتنان :
أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ( 1 )
[ الشّرح :