ومستورا في هذه الجهة الملكية بالنسبة إلى أقوام مستهلكا ومقهورا فيها بالنسبة إلى أقوام آخرين ، ثم يقوى ويشتد حكم هذه المغلوبية والمستورية بمتابعة العادات الطبيعية وملابسة الانحرافات الشهوية والغضبية حيث يضلّ عن سواء سبيلي الجهة الملكوتية والوجه الجبروتي ، ولم يهتد إليهما وإلى العلم بهما وإلى ضلالته عن سواء الطريقين المستقيمين ، وهذا هو المراد بقوله : بالعوائد ضلّت ، فإذا تداركت العناية الأصلية الغير المعلّلة المعنية بقوله تعالى :
لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ
[ يونس : الآية 2 ] عبدا حتى تخلص عبدا حتى تخلص بالجذبة التي توازي عمل الثقلين أو بالسير والسلوك الصحيح عن قيود العادات وأحكام الانحرافات حينئذ يتبيّن أثر الجهة الملكوتية من العقل ، فإذا غلب هذا الأثر على حكم الجهة الملكية وقهره وأخفى عينه وأثره ، بحيث يصير الحال على عكس الحالة الأولى يكون العباد الذين هذا شأنهم يسمون بالعقلاء المجانين ، فإنهم بالنسبة إلى عموم الخلق مجانين لعدم تمييزهم بين خير هذه النشأة الدنيوية وبين شرّها ، ولا بين ضرّها ونفعها ، ولكن بالنسبة إلى أهل الآخرة والروحانيين والمفوضين هم العقلاء حقّا .
وإذا لم يغلب هذا الأثر وترقّوا إلى التحقيق بحقيقة القلب وبالتجلّي الظاهري والباطني أو الجمعي حينئذ يبدو الوجه الذي يلي عالم الجبروت من باطن العقل ويصير آلة بعض المدركات للحقّ المشار إلى ذلك بقوله : « فبي يعقل » ، فيميّز به صاحب الجمع الظاهري أو الباطني أو جمع الجمع بين الضدّين ويجمعهما ولا يرى الجمع بينهما محالا ، بل لازما واقعا فإدا بدى أثر التجلّي الأول وحكم وحدته وسوائيته يستهلك جميع هذه العقول ، وهذا الوجه منها في أحدية جمعيّته لارتفاع حكم التميّز الحقيقي والغيرية والضدّية في مرتبته وجمعيّته ، وهو معنى قوله :
وضلّت عقول ، أي ضاعت واستهلك عينها وأثرها بالكلّية في هذا المقام الأحدي الجمعي ما كانت قبل السلوك غاوية بأحكام العادات عن سواء سبيل التوجّه إلى عالم الملكوت والجبروت ، ثم اهتدت بالسلوك إليهما ، ثم استهلكت بالكليّة أعيانها وآثارها وأحكامها في هذا المقام الأحدي الجمعي لارتفاع حكم التميّز فيه بالكلّية ، واللّه الموفّق .
فلا وصف لي والوصف رسم ، كذاك الاسم وسم ، فإن تكني ، فكنّ أو انعت
وبعد أن علمت أني خلعت جميع الملابس المنبئة عن الغيرية والضدّية في حضرة من وريت بها عني ولم أرد سواي ، فلا وصف لي تصفني به وتعرفني عند