بما يخصّه ، فالسمع مقيّد إدراكه بالمسموعات فحسب ، والبصر مقيّد بالمبصرات واللّسان مقيّد بالمقولات والقلب إدراكه بالآيات ، فلا يدرك من المحسوسات شيئا إلّا بواسطة آلته ، والروح مقيد إدراكه بالروحانيات والسرّ بالتجلّيات الوجودية عريّة عن ملابس المظاهر ، فإذا لقبتني بالعارف الذي هو مقيّد بهذه التقيّدات فقد أنزلتني عن مقامات الإطلاق عن كل قيد وإطلاق ، وعن مقام صحو الجمع إلى مقام هذه التقيّدات النازلة التي هي سكر وغيبة عن الإطلاق المذكور ، وهذا تنقيص شنيع في حقّ موجب للمقت بالنص الصريح ، وكيف يصلح لك أن تلقبني بالعارف وحالي أن أصغر أتباعي زفّت على عين قلبه عرائس أبكار المعارف .
فأصغر أتباعي ، على عين قلبه ، عرائس أبكار المعارف ، زفّت
زفت العروس : أي أسرع في الذهاب إلى الاجتماع بها ، والواو ههنا واو الحال بيان هيئة المفعول المذكور في لقبي ، يعني : كيف يجوز لك أن تلقبني بالعارف حال كوني متبوعا لأتباع أصغرهم من تذهب عرائس أبكار المعارف التي لا يصل أحد قبله إلى فهمها مسرعة إلى عين قلبه ، وإن لقبتني بذلك أليس أنك تكون متنابزا باللقب وممقوتا بذلك في الكتاب العزيز ، ثم يصف هذا الذي بقوله أصغر الأتباع بقوله :
جنى ثمر العرفان من فرع فطنة ، زكا باتّباعي ، وهو من أصل فطرتي فإن سيل عن معنى أتى بغرائب ، عن الفهم جلّت ، بل عن الوهم دقّت
الفرع : غصن الشجر ، والفطنة : هيئة الذكاء وسرعة الإدراك والإحساس من جهة جودة القريحة وقوة الغريزة ، والفطرة في أصل اللغة : الخلقة ، واستعمل فيما قدر من العلم الذاتي اللازم للوجود المطلق أولا ، ثم المقدّر ثبوته وتحقّقه ثانيا في ضمن إضافة شعاع وأثر من الوجود إلى كل شيء كان ما كان مما يسمّى شيئا أو موجودا ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
[ النّور : الآية 41 ] ، وبقوله :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
[ الإسراء : الآية 44 ] ، والفهم هيئة للنفس بها يتحقّق معاني ما يحسّ ، والوهم : قوة تصوّر المعاني صورا خيالية أو روحانية ، وبمعنى الصور الحسّية والخيالية والروحانية .
يقول : إن هذا الذي قلت من أصغر أتباعي سنّا أو رتبة من شأنه أن له جودة قريحة وقوة استعداد وغريزة هي غصن مثمر متفرّع من أصل خلقتي ، أعني ما تعين