تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦

المعنى

: يقول : إن العرب لهم عادات واصطلاحات غالبة عليهم في أخلاقهم وأقوالهم وأعمالهم وهممهم ، فمنها ميلهم وشغفهم إلى أن يبقى منهم ذكر جميل ومأثرة حسنة ومفخرة محمودة في حياتهم وبعد مماتهم مثل الغنى والشرف والمنعة وكثرة الحشم والتوابع والكرم والشجاعة والوفاء والقيام بحقوق الأصدقاء وإغاثة الملهوف ونحو ذلك ، وإلى أن يعرفوا بتلك المآثر والمفاخر بين الخلق ويذكروا بها ومن عاداتهم أيضا أنهم يعدون كثرة الأبناء من عظم تلك المفاخر حتى ذمّوا من لا ابن له بكونه أبتر ، واصطلحوا على أنه إذا كان لواحد ولد ذكر يكنونه باسمه ليذكر بمفخرة الولد الذكر ويعظم بذلك ، وإلّا فيكنونه بوصف جميل أو ما ينبئ عن صفة محمودة عندهم غلب ذلك الوصف عليه ؛ كأبي المكارم وأبي العشائر وأبي سرحان وأبي أسامة المنبئة عن صفة الشجاعة ونحو ذلك ، فلهذا المعنى كان التعظيم والتبجيل عندهم أن يذكروا بالكنا لا بالأسماء . فيقول على هذا مخاطبا لمسترشده : لا تعظمني بالكنا ، وأبطل هذه العادة بالنسبة إلى خطابي ولا تصوّت بهذه الكنية لي صوتا لا معنى فيه حال كونك ألكنا عن وصفي بشيء مطابق لما أنا عليه من الإطلاق عن كل وصف مقيّد ، وعن كل إطلاق يفهم في مقابلة ذلك التقيّد ، فإن جميع الأوصاف والنعوت والأخلاق بالنسبة إليّ متكافئة ومتساوية لا غلبة لشيء منها على شيء ، فلو عيّنت وصفا تذكرني به في الكنية فقد قيّدتني بذلك الوصف وحالي الإطلاق عن كل قيد ، ففي هذا الحالة وظهوري عليك بها وكونك ألكنا عن وصفي بما يليق بي لو قيّدتني لكان وصفك صوتا لا معنى له ، لأني لست ذاك الذي وصفته ، وكيف تصفني وتعظمني بشيء هو من آثار لفظة مصطلحة من مصطلحات مصنوعي من أهل اللّسان واللغة ، وكان هذا إشارة إلى معنى قوله تعالى :
لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً
[ النّور : الآية 63 ] ، حيث كانوا يدعونه بأبي القاسم إذا أرادوا تعظيمه ، فنهوا عن ذلك بالنسبة إلى ما كانوا يفهمونه من تلك الكنية .
وعن لقبي بالعارف ارجع ، فإن تر ال تّنابز بالألقاب ، في الذّكر ، تمقت التنابز - بالتحريك - هو اللقب ، وبالتسكين : التلقيب ، واستعمل في لقب فيه إهانة وتنقيص ، والمصدر في لقبي مضاف إلى مفعول ، والذكر ههنا القرآن ، والمقت : هو البغض الشديد لمن يتعاطى القبيح وترى التنابز ، أي تعتقد جواز تعاطيه وعدم وجود التوبة عنه ، فتعمل بموجب ذلك الاعتقاد ولم تتب عنه تمقت