بنصّ القرآن العزيز في قوله تعالى :
وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ
إلى قوله :
وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
[ الحجرات : الآية 11 ] ، والظالم ممقوت لقوله تعالى :
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
[ الشّورى : الآية 40 ] .
يقول : لمّا كان مقام المعرفة والعرفان على مفهوم أهل الطريق إنما هو التحقّق في أثناء السير والترقّي في درجات التوحيد بحقيقة
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
[ فصّلت : الآية 53 ] ، وفهم توحيد الحقية وإدراكه وإدراك الإشارات والعلوم والمعارف والأسرار المدرجة في آيات التجلّيات الظاهرية أو الباطنية المستصحبة تلك الإشارات والعلوم والأسرار في ضمن هذه التجلّيات في حقائق الآفاق والأنفس السارية فيها ، وهذا المقام نازل بالنسبة إلى مقام أحدية الجمع وصحو الجمع الذي هو أعلى الغايات وأنهى النهايات ؛ لأن منشأ تلك الآيات والتجلّيات إمّا حضرة جمع الظاهر ، أو جمع الباطن ، أو هما مع ما يجمعهما من فروع مقامي المذكور إن نسبتني إلى أحكام هذا المقام النازل ووصفتني بالعارف ، فقد نزلتني من الأعلى إلى الأدنى ، وحينئذ كنت نابزا باللقب ، وذلك يوجب المقت ، فلا تلقبني به .
وجه آخر : إن مرتبتي التي هي حضرة أحدية الجمع وصحو الجمع حكمها الانطلاق عن كل قيد وإطلاق مفهوم في مقابلته وعدم تقيّد المدارك الظاهرة الحسّية بالمحسوسات ، بل عدم تقيد كل حسّ منها بما تخصّه كالبصر بالمبصرات ، والسمع بالمسموعات ونحو ذلك ، وعدم تقيّد المدارك المعنوية أو الروحانية بالمعنويات والروحانيات والمدارك المنسوبة إليها الحقية بما يظنّ أن الحقية منحصرة فيها ، بل من حكم هذه الحضرة الأحدية الجمعية أن تدرك المحسوسات بالمدارك المعنوية والروحانية أو الحقانية ، وأن تدرك فيها المعنويات والروحانيات والحقانيات بالبصر والسمع والشمّ والذوق واللمس والحسّيات لا تّحاد الظاهر بجميع أحكامه والباطن بجميع أحكامه بوحدة هذه الحضرة وارتفاع الغير بالكلية ، واتّحاد البصر بالبصيرة ، ومقام المعرفة والعرفان على ظاهر مفهومك واصطلاح أهل الطريق ليس إلا حضرة البقاء بالتجلّي الظاهري ، وكون الحقّ فيه معه وبصره وعقله فبه يسمع وبه يبصر وبه يعقل ، أو حضرة البقاء بالتجلّي الباطني ، وكونه فيه سمع الحقّ وبصره ولسانه ، فينطق به بموجب أن اللّه قال على لسان عبده : سمع اللّه لمن حمده ، وفي كلا التجليّين يكون كل واحد من السمع والبصر واللّسان والقلب والروح والسرّ مقيّدا