البيت السابق ، وقوله : لها ، أي لحضرة المحبوب ، واللام متعلقة بمرادا ، وقوله :
جذبا مفعول له ، أي مرادا لأجل جذبة تلك الحضرة ، ويحتمل أن يكون لها بمعنى إليها ، وهي حرفة تعدية الجذبة ، والعصمة : الحفظ والحماية بمحض العناية أشار بنفي التسمية باسم المريد إلى نفي قول من فسّر قوله تعالى :
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ( 5 ) ذُو مِرَّةٍ
[ النّجم : الآيتان 5 ، 6 ] بأن المعلم هو جبريل عليه السلام ، وشديد القوى ذو مرة وصفه وكان المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم متعلّما ومريدا له ، والقول الصحيح المؤيّد ببيان صريح من قوله تعالى :
وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
[ النّساء : الآية 113 ] ، أن معلمه صلّى اللّه عليه وسلّم ليس إلّا تلك الحضرة ، ففي إضافة تعليمه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى جنابه الأقدس بلفظ الإفراد لا بصيغة الجمع إشارة واضحة إلى عدم وساطة أحد من جبريل وغيره في تعليمه العلم الاختصاصي من مقام الولاية لا العلم التشريعي من مقام النبوّة والرسالة ، وكان علم جبريل عليه السلام حاصلا لها في ضمن الوساطة من مقام نبوّته لا بالأصالة ، وأشار بقوله : فمن دعي مرادا له جذبا إلى أن كل مريد لا بدّ له من مراد يسلكه ويعلمه علم الطريقة والحقيقة ، ويبيّن له آفات الطريق ومكائد النفس والشيطان وخفايا البقايا من الانحرافات الخلقية والحالية ونحو ذلك .
وأفضل المرادين المرشدين من يكون مجذوبا سالكا تتقدم جذبته إلى تلك الحضرة على سلوكه وجهده ، والذي يتقدم سلوكه واجتهاده على جذبته هو دون الأول ؛ لأن الأول كان في سلوكه على بيّنة من ربّه ومعونة من عناية منه بإشهاده الأمر على ما هو عليه ، وهذا المراد المجذوب إن لم يتداركه العصمة ، أي الحفظ بالإمداد المتوالية في كل آن ينقطع عن حاله وينحطّ عن مقامه ودرجته ، وذلك الحفظ بالإمداد مختصّ بي وبحضرة التي هي أصل جميع الأحوال السنيّة والمقامات العلية ، فكان هذا المراد المجذوب في بقائه وثباته في مقام مراديّته محتاجا إلى عصمتي ، فكيف تسميني مريدا محتاجا إلى المراد حال كون المراد محتاجا إليّ .
وألغ الكنى عني ، ولا تلغ ألكنا بها ، فهي من آثار صيغة صنعتي
ألغ من الإلغاء وهو الإبطال ، ولا تلغ : نهي من اللغاء ، وهو صوت العصافير ونحوها مما لا يفهم منه في العادة معنى صحيح ، يقال منه : لغى يلغي بالأمر إذا نطق به ، وصوت كصوت العصافير ونحوها ، وصنعتي ، أي : مصنوعي ، وقوله : ألكنا حال من ولا تلغ .